والمصدق : المخبر بصدق غيره ، وأدخلت اللام على المفعول للتقوية ، للدلالة على تصديقق مثبت محقق ، أي مصدقا تصديقا لا يشوبه شك ولا نسبة إلى خطأ . وجعل التصديق متعديا إلى التوراة توطئة لقوله : ﴿ ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ﴾ .
ومعنى ما بين يدي ما تقدم قبلي ، لأن المتقدم السابق يمشي بين يدي الجائي فهو هنا تمثيل لحالة السبق ، وإن كان بينه وبين نزول التوراة أزمنة طويلة ، لأنها لما اتصل العمل بها إلى مجيئه ، فكأنها لم تسبقه بزمن طويل . ويستعمل بين يدي كذا في معنى المشاهد الحاضر ، كما تقدم في قوله تعالى : { يعلم ما بين أيديهم في سورة البقرة .
وعطف قوله ولأحل } على ﴿ رسولا ﴾ وما بعده من الأحوال : لأن الحال تشبه العلة ؛ إذ هي قيد لعاملها ، فإذا كان التقييد على معنى التعليل شابه المفعول لأجله ، وشابه الجرور بلام التعليل ، فصح أن يعطف عليها مجرور بلام التعليل . ويجوز أن يكون عطفا على قوله : ﴿ بآية من ربكم ﴾ فيتعلق بفعلل جئتكم . وعقب به قوله : ﴿ مصدقا لما بين يدي ﴾ تنبيها على أن النسخ لا ينافي التصديق ؛ لأن النسخ إعلام بتغير الحكم . وانحصرت شريعة عيسى في إحياء أحكام التوراة وما تركوه فيها وهو في هذا كغيره من أنبياء بني إسرائيل ، وفي تحليل بعض ما حرمه الله عليهم رعيا لحالهم في أزمنة مختلفة ، وبهذا كان رسولا . قيل أحل لهم الشحوم ، ولحوم الإبل ، وبعض السمك ، وبعض الطير : الذي كان محرما من قبل ، وأحل لهم السبت ، ولم أقف على شيء من ذلك في الإنجيل . وظاهر هذا أنه لم يحرم عليهم ما حلل لهم ، فما قيل : إنه حرم عليهم الطلاق فهو تقول عليه وإنما حذرهم منه وبين لهم سوء عواقبه ، وحرم تزوج المرأة المطلقة وينضم إلى ذلك ما لا تخلو منه دعوة : من تذكير ، ومواعظ ، وترغيبات .
﴿ وجئتكم بأية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون ﴾ ﴿ إن الله ربى وربكم فاعبدوه هاذا صراط مستقيم ﴾ .
وقوله : ﴿ وجئتكم بآية من ربكم ﴾ تأكيد لقوله الأول : ﴿ أنى قد جئتكم بآية من ربكم ﴾ ( آل عمران : 49 ) . وإنما عطف بالواو لأنه أريد أن يكون من جملة الأخبار المتقدمة ويحصل