ولك أن تجعل جملة ﴿ وجد عندها رزقا ﴾ بدل اشتمال من جملة ﴿ وكفلها زكرياء ﴾ .
والمحراب بناء يتخذه أحد ليخلو فيه بتعبده وصلاته ، وأكثر ما يتخذ في علو يرتقي إليه بسلم أو درج ، وهو غير المسجد . وأطلق على غير ذلك إطلاقات ، على وجه التشبيه أو التوسع كقول عمر بن أبي ربيعة :
دمية عند راهب قسيس
صوروها في مذبح المحراب
أراد في مذبح البيعة ، لأن المحراب لا يجعل فيه مذبح . وقد قيل : إن المحراب مشتق من الحرب لأن المتعبد كأنه يحارب الشيطان فيه ، فكأنهم جعلوا ذلك المكان آلة لمحرب الشيطان .
ثم أطلق المحراب عند المسلمين على موضع كشكل نصف قبة في طول قامة ونصف يجعل بموضع القبلة ليقف فيه الإمام للصلاة . وهو إطلاق مولد وأول محراب في الإسلام محراب مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم صنع في خلافة الوليد بن عبد الملك ، مدة إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة . والتعريف في ﴿ المحراب ﴾ تعريف الجنس ويعلم أن المراد محراب جعلته مريم للتعبد .
و ( أنى ) استفهام عن المكان ، أي من أين لك هذا ، فلذلك كان جواب استفهامه قوله : ﴿ من عند الله ﴾ .
واستفهام زكرياء مريم عن الرزق لأنه في غير إبانه ووقتت أمثاله . قيل : كان عنبا في فصل الشتاء . والرزق تقدم آنفا عند قوله : ﴿ يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ .
وجملة ﴿ إن الله يرزق من يشاء ﴾ من كلام مريم المحكي .
والحساب في قوله : ﴿ بغير حساب ﴾ بمعنى الحصر لأن الحساب يقتضي حصر الشيء المحسوب بحيث لا يزيد ولا ينقص ، فالمعنى إن الله يرزق من يريد رزقه بما لا يعرف مقداره لأنه موكول إلى فضل الله .