لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار } ( الأنفال : 15 ) وسيأتي . والالتقاء يطلق كذلك كقول أنيف بن زبان :
فلما التقينا بين السيف بيننا
لسائلة عنا حفي سؤالها
وهذه الآية تحتمل المعنيين .
وقوله : ﴿ فئة تقاتل ﴾ تفصيل للفئتين ، وهو مرفوع على أنه صدر جملة للاستئناف في التفصيل والتقسيمم ، الوارد بعد الإجمال والجمع .
والفئة : الجماعة من الناس ؛ وقد تقدم الكلام عليها في قوله تعالى : { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله في سورة البقرة ( 249 ) .
والخطاب في : يرونهم } كالخطاب في قوله : ﴿ قد كان لكم ﴾ .
والرؤية هنا بصرية لقوله : ﴿ رأى العين ﴾ . والظاهر أن الكفار رأوا المسلمين يوم بدر عند اللقاء والتلاحم مثلي عددهم ، فوقع الرعب في قلوبهم فانهزموا . فهذه الرؤية جعلت آية لمن رأوها وتحققوا بعد الهزيمة أنهم كانوا واهمين فيما رأوه ليكون ذلك أشد حسرة لهم ، وتكون هذه الرؤية غير الرؤية المذكورة في الأنفال ( 44 ) بقوله : { ويقللكم في أعينهم فإن تلك يناسب أن تكون وقعت قبل التلاحم ، حتى يستخف المشركون بالمسلمين ، فلا يأخذوا أهبتهم للقائهم ، فلما لاقوهم رأوهم مثلي عددهم فدخلهم الرعب والهزيمة ، وتحققوا قلة المسلمين بعد انكشاف الملحمة فقد كانت إرادة القلة وإرادة الكثرة سببي نصر للمسلمين بعجيب صنع الله تعالى . وجوز أن يكون المسلمون رأوا المشركين مثلي عدد المؤمنين ، وكان المشركون ثلاثة أمثالهم ، فقللهم الله في أعين أنهم ثلاثة أضعافهم لخافوا الهزيمة ، وتكون هذه الإراءة هي الإراءة المذكورة في سورة الأنفال ( 44 ) : وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويكون ضمير الغيبة في قوله : ( مقليهم ) راجعا للمسلمين على طريقة الالتفات ، وأصله ترونهم مثليكم على أنه من المقول .