إيماء إلى أن دعوتهم استجيبت . والمراد بالذين كفروا : المشركون ، وهذا وصف غالب عليهم في اصطلاح القرآن وقيل : الذين كفروا بنبوءة محمد صلى الله عليه وسلم أريد هنا قريظة والنضير وأهل نجران ؛ ويرجح هذا بأنهم ذكروا بحال فرعون دون حال عاد وثمود فإن اليهودوالنصارى أعلق بأخبار فرعون . كما أن العرب أعلق بأخبار عاد وثمود ، وأن الرد على النصارى من أهم أغراض هذه السورة . ويجوز أن يكون المراد جميع الكافرين : من المشركين ، وأهل الكتابين ، ويكون التذكير بفرعون لأن وعيد اليهود في هذه الآية أهم .
ومعنى ( تغني ) تجزي وتكفي وتدفع ، وهو فعل قاصر يتعدى إلى المفعول بعن نحو : ( ما أغني ماليه ) .
ولدلالة هذا الفعل على الإجزاء والدفع ، كان مؤذنا بأن هنالك شيئا يدفع ضره ، وتكفى كلفته ، فلذلك قد يذكرون مع هذا الفعل متعلقا ثانيا ويعدون الفعل إليه بحرف ( من ) كما في هذه الآية . فتكون ( من ) للبدل والعوض على ما ذهب إليه في ( الكشاف ) ، وجعل ابن عطية ( من ) للابتداء .
وقوله : ﴿ من الله ﴾ أي من أمر يضاف إلى الله ؛ لأن تعليق هذا الفعل ، تعليقا ثانيا ، باسم ذات لايقصد منه إلا أخص حال اشتهرت به ، أو في الغرض المسوق له الكلام فيقدر معنى اسم مضاف إلى اسم الجلالة . والتقدير هنا من رحمة الله ، أو من طاعته ، إذا كانت ( من ) للبدل وكذا قدره في ( الكشاف ) ، ونظره بقوله تعالى : ﴿ وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ﴾ ( النجم : 28 ) . وعلى جعل ( من ) للابتداء كما قال ابن عطية تقدر من غضب الله ، أو من عذابه ، أي غناء مبتدئا من ذلك : على حد قولهم : نجاه من كذا أي فصله منه ، ولا يلزم أن تكون ( من ) مع هذا الفعل ، إذا عدي بعن ، مماثلة لمن الواقعة بعد هذا الفعل الذي يعد بعن ، لإمكان اختلاف معنى التعلق باختلاف مساق الكلام . والغالب أن يأتوا بعد فعل أغنى بلفظ ( شيء ) مع ذكر المتعلقين كما في الآية ، وبدون ذكر متعلقين ، كما في قول أبي سفيان ، يوم أسلم : ( لقد علمت أن لو كان معه إله غيره لقد أغنى عني شيئا ) .