وراءه المغرب فقام في الثالثة فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد تمس ثيابه فسمعته يقرأ بأم القرآن وهذه الآية : ﴿ ربنا لا تزغ قلوبنا ﴾ الآية .
فزيغ القلب يتسبب عن عوارض تعرض للعقل : من خلل في ذاته ، أو دواعع من الخلطة أو الشهوة ، أو ضعف الإرادة ، تحول بالنفس عن الفضائل المتحلية بها إلى رذائل كانت تهجس بالنفس فتذودها النفس عنها بما استقر في النفس من تعاليم الخير المسماة بالهدى ، ولا يدري المؤمن ، ولا العاقل ، ولا الحكيم ، ولا المهذب : أية ساعة تحل فيها به أسباب الشقاء ، وكذلك لا يدري الشقي ، ولا المنهمك ، الأفن : أية ساعة تحف فيها به أسباب الإقلاع عما هو متلبس به من تغير خلق ، أو خلق ، أو تبدل خليط ، قال تعالى : ﴿ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ﴾ ( الأنعام : 110 ) ولذا كان دأب القرآن قرن الثناء بالتحذير ، والبشارة بالإنذار .
وقوله : ﴿ بعد إذ هديتنا ﴾ تحقيق للدعوة على سبيل التلطف ؛ إذ أسندوا الهدي إلى الله تعالى ، فكان ذلك كرما منه ، ولا يرجع الكريم في عطيته ، وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من السلب بعد العطاء .
وإذ اسم للزمن الماضي متصرف ، وهي هنا متصرفة تصرفا قليلا ؛ لأنها لما أضيف إليها الظرف ، كانت في معنى الظروف ، ولما كانت غير منصوبة كانت فيها شائبة تصرفف ، كما هي في يومئذ وحينئذ ، أي بعد زمن هدايتك إيانا .
وقوله : ﴿ وهب لنا من لدنك رحمة ﴾ طلبوا أثر الدوام على الهدى وهو الرحمة ، في الدنيا والآخرة ، ومنع دواعي الزيغ والشر . وجعلت الرحمة من عند الله لأن تيسير أسبابها ، وتكوين مهيئاتها ، بتقدير الله ؛ إذ لو شاء لكان الإنسان معرضا لنزول المصائب والشرور في كل لمحة ؛ فإنه محفوف بموجودات كثيرة ، حية وغير حية ، هو تلقاءها في غاية الضعف ، لولا لطف الله به بإيقاظ عقله لاتقاء الحوادث ، وبإرشاده لاجتناب أفعال الشرور المهلكة ، وبإلهامه إلى ما فيه نفعه ، وبجعل تلك القوى الغالبة له قوى عمياء لا تهتدي سبيلا إلى قصده ، ولا تصادفه إلا على سبيل الندور ولهذا قال تعالى : ﴿ الله لطيف بعباده ﴾ ( الشورى : 19 ) ومن أجلى مظاهر اللطف أحوال الاضطرار والالتجاء وقد كنت قلت كلمة ( اللطف عند الاضطرار ) .