﴿ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ﴾ ( الأنبياء : 28 ) ، وثبتت للرسول عليه السلام في أحاديث كثيرة وأشير إليها بقوله تعالى : ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ﴾ ( الإسراء : 79 ) وفسرت الآية بذلك في الحديث الصحيح ، ولذلك كان من أصول اعتقادنا إثبات الشفاعة للنبيء صلى الله عليه وسلم وأنكرها المعتزلة وهم مخطئون في إنكارها وملبسون في استدلالهم ، والمسألة مبسوطة في كتب الكلام .
والشفاعة المنفية هنا مراد بها الشفاعة التي لا يسع المشفوع إليه ردها ، فلا يعارض ما ورد من شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة لأن تلك كرامة أكرمه الله تعالى بها وأذن له فيها إذ يقول : ( اشفع تشفع ) فهي ترجع إلى قوله تعالى : ﴿ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ﴾ ( البقرة : 255 ) وقوله : ﴿ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ﴾ ( الأنبياء : 28 ) وقوله : ﴿ ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ﴾ ( سبأ : 23 ) .
وقوله : ﴿ والكافرون هم الظالمون ﴾ صيغة قصر نشأت عن قوله : ﴿ لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة ﴾ فدلت على أن ذلك النفي تعريض وتهديد للمشركين فعقب بزيادة التغليظ عليهم والتنديد بأن ذلك التهديد والمهدد به قد جلبوه لأنفسهم بمكابرتهم فما ظلمهم الله ، وهذا أشد وقعا على المعاقب لأن المظلوم يجد لنفسه سلوا بأنه معتدى عليه ، فالقصر قصر قلب ، بتنزيلهم منزلة من يعتقد أنهم مظلومون . ولك أن تجعله قصرا حقيقيا ادعائيا لأن ظلمهم لما كان أشد الظلم جعلوا كمن انحصر الظلم فيهم .
والمراد بالكافرين ظاهرا المشركون ، وهذا من بدائع بلاغة القرآن ، فإن هذه الجملة صالحة أيضا لتذييل الأمر بالإنفاق في سبيل الله ، لأن ذلك الإنفاق لقتال المشركين الذين بدأوا الدين بالمناوأة ، فهم الظالمون لا المؤمنون الذين يقاتلونهم لحماية الدين والذب عن حوزته . وذكر الكافرين في مقام التسجيل فيه تنزيه للمؤمنين عن أن يتركوا الإنفاق إذ لا يظن بهم ذلك ، فتركه والكفر متلازمان ، فالكافرون يظلمون أنفسهم ، والمؤمنون لا يظلمونها ، وهذا كقوله تعالى : ﴿ وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة ﴾ ( فصلت : 6 ، 7 ) ، وذلك أن القرآن يصور المؤمنين في أكمل مراتب الإيمان ويقابل حالهم بحال الكفار تغليظا وتنزيها ، ومن هذه الآية وأمثالها اعتقد بعض فرق الإسلام أن المعاصي تبطل الإيمان كما قدمناه .