ومن بدائع البلاغة أن ذكر في القصر فعل أنزل ، الذي هو مختص بالله تعالى ولو بدون صيغة القصر ، إذ الإنزال يرادف الوحي ولا يكون إلا من الله بخلاف ما لو قال هو الذي آتاك الكتاب .
وضمير ﴿ منه ﴾ عائد إلى القرآن . و ( منه ) خبر مقدم و ﴿ آيات محكمات ﴾ مبتدأ .
والإحكام في الأصل المنع ، قال جرير :
أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم
إني أخاف عليكم أن أغضبا
واستعمل الإحكام في الإتقان والتوثيق ؛ لأن ذلك يمنع تطرق ما يضاد المقصود ، ولذا سميت الحكمة حكمة ، وهو حقيقة أو مجاز مشهور .
أطلق المحكم في هذه الآية على واضح الدلالة على سبيل الاستعارة لأن في وضوح الدلالة ، منعا لتطرق الاحتمالات الموجبة للتردد في المراد .
وأطلق التشابه هنا على خفاء الدلالة على المعنى ، على طريقة الاستعارة لأن تطرق الاحتمال في معاني الكلام يفضي إلى عدم تعين أحد الاحتمالات ، وذلك مثل تشابه الذوات في عدم تمييز بعضها عن بعض .
وقوله : ﴿ أم الكتاب ﴾ أم الشيء أصله وما ينضم إليه كثيره وتتفرع عنه فروعه ، ومنه سميت خريطة الرأس ، الجامعة له : أم الرأس وهي الدماغ ، وسميت الراية الأم لأن الجيش ينضوي إليها ، وسميت المدينة العظيمة أم القرى ، وأصل ذلك أن الأم حقيقة في الوالدة ، وهي أصل للمولود وجامع للأولاد في الحضانة ، فباعتبار هذين المعنيين ، أطلق اسم الأم على ما ذكرنا ، على وجه التشبيه البليغ . ثم شاع ذلك الإطلاق حتى ساوى الحقيقة ، وتقدم ذلك في تسمية الفاتحة أم القرآن .
والكتاب : القرآن لا محالة ؛ لأنه المتحدث عنه بقوله : ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب ﴾ فليس قوله : ﴿ أم الكتاب ﴾ هنا بمثلل قوله : ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ ( الرعد : 39 ) .
وقوله : ﴿ وأخر متشابهات ﴾ المتشابهات المتماثلات ، والتماثل يكون في صفات كثيرة فيبين بما يدل على وجه التماثل ، وقد يترك بيانه إذا كان وجه التماثل ظاهرا ، كما في قوله تعالى : ﴿ إن البقر تشابه علينا ﴾ ( البقرة : 70 ) ولم يذكر في هذه الآية جهة التشابه .