أبطل أحكام الكتابين ، وأما كون شرع من قبلنا شرعا لنا عند معظم أهل الأصول ، فذلك فيما حكاه عنهم القرآن لا ما يوجد في الكتابين ، فلا يستقيم اعتبار الاستغراق بهذا الاعتبار بل بما ذكرناه .
والفرقان في الأصل مصدر فرق كالشكران والكفران والبهتان ، ثم أطلق على ما يفرق به بين الحق والباطل قال تعالى : ﴿ وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان ﴾ ( الأنفال : 41 ) وهو يوم بدر . وسمي به القرآن قال تعالى : ﴿ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ﴾ ( الفرقان : 1 ) والمرادبالفرقان هنا القرآن ؛ لأنه يفرق بين الحق والباطل ، وفي وصفه بذلك تفضيل لهديه على هدى التوراة والإنجيل ؛ لأن التفرقة بين الحق والباطل أعظم أحوال الهدي ، لما فيها من البرهان ، وإزالة الشبهة . وإعادة قوله : ﴿ وأنزل الفرقان ﴾ بعد قوله : ﴿ نزل عليك الكتاب بالحق ﴾ للاهتمام ، وليوصل الكلام به في قوله : ﴿ إن الذين كفروا بآيات الله ﴾ ( آل عمران : 4 ) الآية أي بآياته في القرآن .
﴿ إن الذين كفروا بأيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام ﴾ .
استئناف بياني ممهد إليه بقوله : ﴿ نزل عليك الكتاب بالحق ﴾ لأن نفس السامع تتطلع إلى معرفة عاقبة الذين أنكروا هذا التنزيل .
وشمل قوله : ﴿ الذين كفروا بآيات الله ﴾ المشركين واليهود والنصارى في مرتبة واحدة ، لأن جميعهم اشتركوا في الكفر بالقرآن ، وهو المراد بآيات الله هنا لأنه الكتاب الوحيد الذي يصح أن يوصف بأنه آية من آيات الله ؛ لأنه معجزة . وعبر عنهم بالموصول إيجازا ؛ لأن الصلة تجمعهم ، والإيماء إلى وجه بناء الخبر وهو قوله : ﴿ لهم عذاب شديد ﴾ .
وعطف قوله : ﴿ والله عزيز ذو انتقام ﴾ على قوله : ﴿ إن الذين كفروا بآيات الله ﴾ لأنه من تكملة هذا الاستئناف : لمجيئه مجيء التبيين لشدة عذابهم ؛ إذ هو عذاب عزيز منتقم كقوله : ﴿ فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر ﴾ ( القمر : 42 ) .