وعطف قوله : ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم ﴾ بالواو دون الفاء للدلالة على أن الحكم الذي تضمنه مقصود بالذات ، وأن ما قبله كالتمهيد له . ويجوز أن يكون قوله : ﴿ وإن تبدوا ﴾ عطفا على قوله : ﴿ والله بما تعملون عليم ﴾ ( البقرة : 283 ) ويكون قوله : ﴿ لله ما في السموات وما في الأرض ﴾ اعتراضا بينهما .
وإبداء ما في النفس : إظهاره ، وهو إعلانه بالقول ، فيما سبيله القول ، وبالعمل فيما يترتب عليه عمل ؛ وإخفاؤه بخلاف ذلك ، وعطف ﴿ أو تخفوه ﴾ للترقي في الحساب عليه ، فقد جاء على مقتضى الظاهر في عطف الأقوى على الأضعف ، وفي الغرض المسوق له الكلام في سياق الإثبات . وما في النفي يعم الخير والشر .
والمحاسبة مشتقة من الحسبان وهو العد ، فمعنى يحاسبكم في أصل اللغة : يعده عليكم ، إلا أنه شاع إطلاقه على لازم المعنى وهو المؤاخذة والمجازاة كما حكى الله تعالى : ﴿ ﴾ ( الشعراء : 113 ) وشاع هذا في اصطلاح الشرع ، ويوضحه هنا قوله : ﴿ فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ﴾ .
وقد أجمل الله تعالى هنا الأحوال المغفورة وغير المغفورة : ليكون المؤمنون بين الخوف والرجاء ، فلا يقصروا في اتباع الخيرات النفيسة والعملية ، إلا أنه أثبت غفرانا وتعذيبا بوجه الإجمال على كل مما نبديه وما نخفيه . وللعلماء في معنى هذه الآية ، والجمع بينها وبين قوله صلى الله عليه وسلم ( من هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة ) . وقوله : ( إن الله تجاوز لأمتي عما حدثتها به أنفسها ) وأحسن كلام فيه ما يأتلف من كلامي المازري وعياض ، في شرحيهما ( لصحيح مسلم ) : وهو مع زيادة بيان أن ما يخطر في النفس إن كان مجرد خاطر وتردد من غير عزم فلا خلاف في عدم المؤاخذة به ، إذ لا طاقة للمكلف بصرفه عنه ، وهو مورد حديث التجاوز للأمة عما حدثت به أنفسها ، وإن كان قد جاش في النفس عزم ، فإما أن يكون من الخواطر التي تترتب عليها أفعال بدنية أو لا ، فإن كان من الخواطر التي لا تترتب عليها أفعال : مثل الإيمان ، والكفر ، والحسد ، فلا خلاف في المؤاخذة به ؛ لأن مما يدخل في طوق المكلف أن يصرفه عن نفسه ، وإن كان من الخواطر التي تترتب عليها آثار في الخارج ، فإن حصلت الآثار فقد خرج من أحوال الخواطر إلى الأفعال كمن يعزم على السرقة