وكذلك ابن راشد القفصي في كتابه ( الفائق في الأحكام والوثائق ) ونسبه النووي في ( شرحه على صحيح مسلم لمالك ) ، وحمله على أن المستند متحد وهو إعمال حديث أبي هريرة ولعله أخذ نسبة ذلك لمالك من كلام ابن الحاجب المتقدم .
وادعى ابن مرزوق أن ابن الحاجب تبع ابن شاس إذ قال : ( فإن بادر بها من غير طلب لم يقبل ) وأن ابن شاس أخذه من كلام الغزالي قال : ( والذي تقتضيه نصوص المذهب أنه إن رفعها قبل الطلب لم يقدح ذلك فيها بل إن لم يكن فعله مندوبا فلا أقل من أن لا ترد ) واعتضد بكلام الباجي في شرح حديث : خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها .
وقد سلكوا في تعليل المسألة مسلكين : مسلك يرجع إلى الجمع بين الحديثين ، وهو مسلك الشافعية ، ومسلك إعمال قاعدة رد الشهادة بتهمة الحرص على العمل بشهادته وأنه ريبة .
وقوله : ﴿ ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ﴾ زيادة في التحذير . والإثم : الذنب والفجور .
والقلب اسم للإدراك والانفعالات النفسية والنوايا . وأسد الإثم إلى القلب وإنما الآثم الكاتم لأن القلب أي حركات العقل يسبب ارتكاب الإثم : فإن كتمان الشهادة إصرار قلبي على معصية ، ومثله قوله تعالى : { ( الأعراف : 116 ) وإنما سحروا الناس بواسطة مرئيات وتخيلات وقول الأعشى :
كذلك فافعل ما حييت إذا شتوا
وأقدم إذا ما أعين الناسس تفرق
لأن الفرق ينشأ عن رؤية الأهوال .
وقوله : والله بما تعملون عليم } تهديد ، كناية عن المجازاة بمثل الصنيع ؛ لأن القادر لا يحول بينه وبين المؤاخذة إلا الجهل فإذا كان عليما أقام قسطاس الجزاء .