آخره لكان له وجه ، ويفهم منه أنه إن لم يأمنه لا يداينه ، ولكن طوى هذا ترغيبا للناس في المواساة والاتسام بالأمانة . وهؤلاء الفرق الثلاثة كلهم يجعلون هذه الآية مقصورة على بيان حالة ترك التوثق في الديون .
وأظهر مما قالوه عندي : أن هذه الآية تشريع مستقل يعم جميع الأحوال المتعلقة بالديون : من إشهاد ، ورهنن ، ووفاء بالدين ، والمتعلقة بالتبايع ، ولهذه النكتة أبهم المؤتمنون بكلمة ﴿ بعض ﴾ ليشمل الائتمان من كلا الجانبين : الذي من قبل رب الدين ، والذي من قبل المدين .
فرب الدين يأتمن المدين إذا لم ير حاجة إلى الإشهاد عليه ، ولم يطالبه بإعطاء الرهن في السفر ولا في الحضر .
والمدين يأتمن الدائن إذا سلم له رهنا أغلى ثمنا بكثير من قيمة الدين المرتهن فيه ، والغالب أن الرهان تكون أوفر قيمة من الديون التي أرهنت لأجلها ، فأمر كل جانب مؤتمنن أن يؤدي أمانته ، فأداء المدين أمانته بدفع الدين ، دون مطل ، ولا جحود ، وأداء الدائن أمانته إذا أعطي رهنا متجاوز القيمة على الدين أن يرد الرهن ولا يجحده غير مكترث بالدين ؛ لأن الرهن أوفر منه ، ولا ينقص شيئا من الرهن .
ولفظ الأمانة مستعمل في معنيين : معنى الصفة التي يتصف بها الأمين ، ومعنى الشيء المؤمن .
فيؤخذ من هذا التفسير إبطال غلق الرهن : وهو أن يصير الشيء المرهون ملكا لرب الدين ، إذا لم يدفع الدين عند الأجل ، قال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا يغلق الرهن ) وقد كان غلق الرهن من أعمال أهل الجاهلية ، قال زهير :
وفارقتك برهنن لا فكاك له
عند الوداع فأمسى الرهن قد غلقا
ومعنى ﴿ أمن بعضكم بعضا ﴾ أن يقول كلا المتعاملين للآخر : لا حاجة لنا بالإشهاد ونحن يأمن بعضنا بعضا ، وذلك كي لا ينتقض المقصد الذي أشرنا إليه فيما مضى من دفع مظنة اتهام أحد المتداينين الآخر .