ما حكي عن الصاحب أنه قال : كان الأستاذ ابن العميد يختار من شعر ابن الرومي وينقط على ما يختاره ، قال الصاحب فدفع إلي القصيدة التي أولها :
أتحت ضلوعي جمرة تتوقد
على ما مضى أم حسرة تتجدد
وقال لي : تأملها ، فتأملتها فوجدته قد ترك خير بيت فيها لم ينقط عليه وهو قوله :
بجهلل كجهل السيفف والسيف منتضى
وحلمم كحلم السيف والسيف مغمد
فقلت : لم ترك الأستاذ هذا البيت ؟ فقال : لعل القلم تجاوزه ، ثم رآني من بعد فاعتذر بعذر كان شرا من تركه ؛ فقال : إنما تركته لأنه أعاد السيف أربع مرات ، قال الصاحب : لو لم يعده لفسد البيت ، قال الشيخ عبد القاهر : والأمر كما قال الصاحب ثم قال قاله أبو يعقوب : إن الكناية والتعريض لا يعملان في العقول عمل الإفصاح والتكشيف لأجل ذلك كان لإعادة اللفظ في قوله تعالى : ﴿ وبالحق أنزلته وبالحق نزل ﴾ ( الإسراء : 105 ) وقوله : ﴿ قل هو الله أحد ، الله الصمد ﴾ ( الصمد : 1 ، 2 ) عمل لولاه لم يكن .
وقال الراغب : قد استكرهوا التكرير في قوله :
فما للنوى جذ النوى قطع النوى
حتى قيل : لو سلط بعير على هذا البيت لرعى ما فيه من النوى ، ثم قال : إن التكرير المستحسن هو تكرير يقع على طريق التعظيم ، أو التحقير ، في جمل متواليات كل جملة منها مستقلة بنفسها ، والمستقبح هو أن يكون التكرير في جملة واحدة أو في جمل في معنى ، ولم يكن فيه معنى التعظيم والتحقير ، فالراغب موافق للأستاذ ابن العميد ، وعبد القاهر موافق للصاحب بن عباد ، قال المرزوقي في شرح الحماسة عند قول يحيى بن زياد :
لما رأيت الشيب لاح بياضه
بمفرقق رأسي قلت للشيب مرحبا
( كان الواجب أن يقول : قلت له مرحبا ، لكنهم يكررون الأعلام وأسماء الأجناس كثيرا والقصد بالتكرير التفخيم ) .