عنهم أنهم قالوا : ( ليس علينا في الأميين سبيل ) . وهذه نصوص التوراة في مواضع كثيرة تنهى عن أشياء أو تأمر بأشياء وتخصها ببني إسرائيل ، وتسوغ مخالفة ذلك مع الغريب ، ولم نر في دين من الأديان التصريح بالتسوية في الحقوق سوى دين الإسلام ، فكيف نعتد بشهادة هؤلاء الذين يرون المسلمين مارقين عن دين الحق مناوئين لهم ، ويرمون بذلك نبيئهم فمن دونه ، فماذا يرجى من هؤلاء أن يقولوا الحق لهم أو عليهم والنصرانية تابعة لأحكام التوراة . على أن تجافي أهل الأديان أمر كان كالجبلي فهذا الإسلام مع أمره المسلمين بالعدل مع أهل الذمة لا نرى منهم امتثالا فيما يأمرهم به في شأنهم .
وفي القرآن إيماء إلى هذه العلة ( ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ) . وفي ( البخاري ) ، في حديث أبي قلابة في مجلس عمر بن عبد العزيز . وما روي عن سهل بن أبي حثمة الأنصاري : أن نفرا من قومه ذهبوا إلى خيبر فتفرقوا بها ، فوجدوا أحدهم قتيلا ، فقالوا للذين وجد فيهم القتيل أنتم قتلتم صاحبنا ، قالوا ما قتلنا ، فانطلقوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشكوا إليه ، فقال لهم : ( تأتون بالبينة على من قتله ) ، قالوا : ( ما لنا بينة ) ، قال : ( فتحلف لكم يهود خمسين يمينا ) ، قالوا : ( ما يبالون أن يقتلونا أجمعين ثم يحلفون ) ، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبطل دمه ووداه من مال الصدقة . فقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم قول الأنصار في اليهود : إنهم ما يبالون أن يقتلوا كل القوم ثم يحلفون .
فإن قلت : كيف اعتدت الشريعة بيمين المدعى عليه من الكفار ، قلت : اعتدت بها لأنها أقصى ما يمكن في دفع الدعوى ، فرأتها الشريعة خيرا من إهمال الدعوى من أصلها .
ولأجل هذا اتفق علماء الإسلام على عدم قبول شهادة أهل الكتاب بين المسلمين في غير الوصية في السفر ، واختلفوا في الإشهاد على الوصية في السفر ، فقال ابن عباس ومجاهد وأبو موسى الأشعري وشريح بقبول شهادة غير المسلمين في الوصية في السفر ، وقضى به أبو موسى الأشعري مدة قضائه في الكوفة ، وهو قول أحمد وسفيان الثوري وجماعة من العلماء ، وقال الجمهور : لا تجوز شهادة غير المسلمين على المسلمين ورأوا أن ما في آية الوصية منسوخ ، وهو قول زيد بن أسلم ومالك وأبي حنيفة والشافعي ، واختلفوا في شهادة بعضهم على بعض عند قاضي المسلمين فأجازها أبو حنيفة ناظرا في ذلك