والشهادة حقيقتها الحضور والمشاهدة ، والمراد بها هنا حضور خاص وهو حضور لأجل الاطلاع على التداين ، وهذا إطلاق معروف للشهادة على حضور لمشاهدة تعاقد بين متعاقدين أو لسماعع عقد من عاقد واحد مثل الطلاق والحبس . وتطلق الشهادة أيضا على الخبر الذي يخبر به صاحبه عن أمر حصل لقصد الاحتجاج به لمن يزعمه ، والاحتجاج به على من ينكره ، وهذا هو الوارد في قوله : ﴿ ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ﴾ ( النور : 4 ) .
وجعل المأمور به طلب الإشهاد لأنه الذي في قدرة المكلف وقد فهم السامع أن الغرض من طلب الإشهاد حصوله . ولهذا أمر المستشهد بفتح الهاء بعد ذلك بالامتثال فقال : ﴿ ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ﴾ .
والأمر في قوله : ﴿ واستشهدوا شهيدين من رجالكم ﴾ قيل للوجوب ، وهو قول جمهور السلف ، وقيل للندب ، وهو قول جمهور الفقهاء المتأخرين : مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وسيأتي عند قوله تعالى : ﴿ وأشهدوا إذا تبايعتم ﴾ .
وقوله : ﴿ من رجالكم ﴾ أي من رجال المسلمين ، فحصل به شرطان : أنهم رجال ، وأنهم ممن يشملهم الضمير .
وضمير جماعة المخاطبين مراد به المسلمون لقوله في طالعة هذه الأحكام يأيها الذين آمنوا .
وأما الصبي فلم يعتبره الشرع لضعف عقله عن الإحاطة بمواقع الإشهاد ومداخل التهم .
والرجل في أصل اللغة يفيد وصف الذكورة فخرجت الإناث ، ويفيد البلوغ فخرج الصبيان ، والضمير المضاف إليه أفاد وصف الإسلام . فأما الأنثى فيذكر حكمها بعد هذا ، وأما الكافر فلأن اختلاف الدين يوجب التباعد في الأحوال والمعاشرات والآداب فلا تمكن الإحاطة بأحوال العدول والمرتابين من الفريقين ، كيف وقد اشترط في تزكية المسلمين شدة المخالطة ، ولأنه قد عرف من غالب أهل الملل استخفاف المخالف في الدين بحقوق مخالفه ، وذلك من تخليط الحقوق والجهل بواجبات الدين الإسلامي . فإن الأديان السالفة لم تتعرض لاحترام حقوق المخالفين ، فتوهم أتباعهم دحضها . وقد حكى الله