والثانية حالة كتابة ثالث يتوسط بينهما . فيكتب ما تعاقدا عليه ويشهد عليه شاهدان ويسلمه بيد صاحب الحق إذا كانا لا يحسنان الكتابة أو أحدهما ، وهذه غالب أحوال العرب عند نزول الآية . فكانت الأمية بينهم فاشية ، وإنما كانت الكتابة في الأنبار والحيرة وبعض جهات اليمن وفيمن يتعلمها قليلا من مكة والمدينة .
وقوله : ﴿ وليكتب بينكم كاتب بالعدل ﴾ أمر للمتداينين بأن يوسطوا كاتبا يكتب بينهم لأن غالب حالهم جهل الكتابة .
فعل الأمر به إلى الكاتب مبالغة في أمر المتعاقدين بالاستكتاب . والعرب تعمد إلى المقصود فتنزله منزلة الوسيلة مبالغة في حصوله كقولهم في الأمر ليكن ولدك مهذبا ، وفي النهي لا تنس ما أوصيتك ، ولا أعرفنك تفعل كذا .
فمتعلق فعل الطلب هو ظرف بينكم وليس هذا أمرا للكاتب ، وأما أمر الكاتب فهو قوله : ﴿ ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب ﴾ .
وقوله : ﴿ بالعدل ﴾ أي بالحق ، وليس العدل هنا بمعنى العدالة التي يوصف بها الشاهد فيقال رجل عدل لأن وجود الباء يصرف عن ذلك ، ونظيره قوله الآتي : ﴿ فليملل وليه بالعدل ﴾ .
ولذلك قصر المفسرون قوله : ﴿ فاكتبوه ﴾ على أن يكتبه كاتب غير المتداينين لأنه الغالب ، ولتعقيبه بقوله : وليكتب بينكم كاتب بالعدل ، فإنه كالبيان لكيفية فاكتبوه ، على أن كتابة المتعاقدين إن كانا يحسنانها تؤخذ بلحن الخطاب أو فحواه .
ولذلك كانت الآية حجة عند جمهور العلماء لصحة الاحتجاج بالخط ، فإن استكتاب الكاتب إنما ينفع بقراءة خطه .
وقوله : ﴿ ولا يأب كاتب أن يكتب ﴾ نهي لمن تطلب منه الكتابة بين المتداينين عن الامتناع منها إذا دعي إليها ، فهذا حكم آخر وليس تأكيدا لقوله : ﴿ وليكتب بينكم كاتب بالعدل ﴾ لما علمت آنفا من كون ذلك حكما موجها للمتداينين . وهذا النهي قد اختلف في مقتضاه فقيل نهي تحريم ، فالذي يدعي لأن يكتب بين المتداينين يحرم عليه الامتناع . وعليه فالإجابة للكتابة فرض عين ، وهو قول الربيع ومجاهد وعطاء