تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كما تقدم في قوله تعالى : { والكتاب المبين إنا جعلناه قرءانا عربيا في سورة الزخرف ( 2 3 ) ، وتنظيره بقول أبي تمام :

وثناياكك إنها أغريض . . . البيت

ويسطرون } : مضارع سطر ، يقال : سطر من باب نصر ، إذا كتب كلمات عدة تحصل منها صفوف من الكتابة ، وأصله مشتق من السطر وهو القطع ، لأن صفوف الكتابة تبدو كأنها قطع .

وضمير ﴿ يسطرون ﴾ راجع إلى غير مذكور في الكلام وهو معلوم للسامعين لأن ذكر القلم ينبىء بكتبة يكتبون به فكان لفظ القسم متعلقا بآلة الكتابة والكتابة ، والمقصود : المكتوب في إطلاق المصدر على المفعول ، فهو بمنزلة الفعل المبني للمجهول لأن الساطرين غير معلومين ، فكأنه قيل : والمسطور ، نظير قوله تعالى : ﴿ وكتاب مسطور في رق منشور ﴾ ( الطور : 2 3 ) .

ومن فسر ﴿ القلم ﴾ بمعنى تعلق علم الله تعالى بما سيكون جعل ضمير ﴿ يسطرون ﴾ راجعا إلى الملائكة فيكون السطر رمزا لتنفيذ الملائكة ما أمر الله بتنفيذه حين تلقي ذلك ، أي يكتبون ذلك للعمل به أو لإبلاغه من بعضهم إلى بعض على وجه لا يقبل الزيادة ولا النقصان ، فشبه ذلك الضبط بضبط الكاتب ما يريد إبلاغه بدون تغيير .

وأوثر القسم بالقلم والكتابة للإيماء إلى أن باعث الطاعنين على الرسول صلى الله عليه وسلم واللامزين له بالجنون ، إنما هو ما أتاهم به من الكتاب .

والمقسم عليه نفي أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم مجنونا والخطاب له بهذا تسلية له لئلا يحزنه قول المشركين لما دعاهم إلى الإسلام : هو مجنون ، وذلك ما شافهوا به النبي صلى الله عليه وسلم وحكاه الله عنهم في آخر السورة ( القلم : 51 ) ﴿ وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون . وهكذا كل ما ورد فيه نفي صفة الجنون عنه فإنما هو رد على أقوال المشركين كقوله : وما صاحبكم بمجنون ﴾ ( التكوير : 22 ) . وقد زل فيه صاحب ( الكشاف ) زلة لا تليق بعلمه .

والمقصود من نفي الجنون عنه إثبات ما قصد المشركون نفيه وهو أن يكون

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢٩ · الصفحة ٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢٩ · ص ٦١