و ﴿ هنيئا ﴾ دعاء تكريم كما يقال للشارب أو الطعام في الدنيا : هنيئا مريئا ، كقوله تعالى : { فكلوه هنيئا مريئا في سورة النساء .
وهنيئا } وصف لموصوف غير مذكور دل عليه فعل ﴿ كلوا واشربوا ﴾ وذلك الموصوف مفعول مطلق من ﴿ كلوا واشربوا ﴾ مبين للنوع لقصد الدعاء مثل : سقيا ورعيا ، في الدعاء بالخير ، وتبا وسحقا في ضده .
والباء في ﴿ بما كنتم تعملون ﴾ للسببية ، أي لإفادة تسبب ما بعدها في وقوع متعلقه ، أي كلوا واشربوا بسبب ما كنتم تعملون في الدنيا من الأعمال الصالحة وذلك من إكرامهم بأن جعل ذلك الإنعام حقا لهم .
وجملة ﴿ إنا كذلك نجزي المحسنين ﴾ يجوز أن تكون مما يقال للمتقين بعد أن قيل لهم ﴿ كلوا واشربوا ﴾ الخ مسوقة إليهم مساق زيادة الكرامة بالثناء عليهم ، أي هذا النعيم الذي أنعمت به عليكم هو سنتنا في جزاء المحسنين فإذ قد كنتم من المحسنين فذلك جزاء لكم نلتموه بأنكم من أصحاب الحق في مثله ، ففي هذا هز من أعطاف المنعم عليهم .
والمعنى عليه : أن هذه الجملة تقال لكل متق منهم ، أو لكل جماعة منهم مجتمعة على نعيم الجنة ، وليعلموا أيضا أن أمثالهم في الجنات الأخرى لهم من الجزاء مثل ما هم ينعمون به .
ويجوز أن تكون الجملة موجهة إلى المكذبين الموجودين بعد أن وصف لهم ما ينعم به المتقون إثر قوله ﴿ إن المتقين في ظلال وعيون ﴾ الخ ، قصد منها التعريض بأن حرمانهم من مثل ذلك النعيم هم الذين قضوا به على أنفسهم إذ أبوا أن يكونوا من المحسنين تكملة لتنديمهم وتحسيرهم الذي بودئوا به من قوله : ﴿ إن المتقين في ظلال وعيون ﴾ إلى آخره ، أي إنا كذلك نجزي المحسنين دون أمثالكم المسيئين .
وموقع الجملة على كلا الاعتبارين موقع التعليل لما قبلها على كلا التقديرين فيما قبلها ، ومن أجل الإشعار بهذا التعليل افتتحت ب ﴿ إن ﴾ مع خلو المقام عن التردد في الخبر إذ الموقف يومئذ موقف الصدق والحقيقة ، فلذلك كانت ﴿ إن ﴾ متمحضة لإفادة الاهتمام بالخبر وحينئذ تصير مغنية غناء فاء التسبب وتفيد مفاد التعليل