تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا الوصف كناية رمزية عن عظيم قدرة الله تعالى إذ خلق من هذا الماء الضعيف إنسانا شديد القوة عقلا وجسما .

وحرف من } للابتداء لأن تكوين الإنسان نشأ من ذلك الماء ، كما تقول : هذه النخلة من نواة توزرية .

وجعل خلق الإنسان من ماء الرجل لأنه لا يتم تخلقه إلا بذلك الماء إذا لاقى بويضات الدم في الرحم ، فاقتصرت الآية على ما هو مشهور بين الناس لأنهم لا يعلمون أكثر من ذلك ، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم تكوين الجنين من ماء المرأة وماء الرجل .

وقوله : ﴿ فجعلناه في قرار مكين ﴾ تفصيل لكيفية الخلق على سبيل الإدماج مع مناسبته لأن له دخلا في تبيين إمكان الإعادة إذ شديد القدرة لا يعجزه شيء ، ولذلك ذيله بقوله ﴿ فنعم القادرون ﴾ على التفسيرين الآتيين .

والقرار : محل القرور والمكث .

و ﴿ مكين ﴾ : صفة ل ﴿ قرار ﴾ ، أي مكان متمكن في ذلك فهو فعيل من مكن مكانة ، إذا ثبت ورسخ .

ووصف القرار بالمكين على طريقة المجاز العقلي ، أي مكين الحال والمستقر فيه . فالتقدير : مكين فيه . والمراد بالقرار المكين : الرحم .

والقدر : بفتح الدال المقدار المعين المضبوط ، والمراد مقدار من الزمان وهو مدة الحمل .

وقرأ نافع والكسائي وأبو جعفر ﴿ فقدرنا ﴾ بتشديد الدال . وقرأه الباقون بتخفيف الدال من قدر المتعدي وهما بمعنى واحد ، يقال : قدر بالتشديد تقديرا فهو مقدر ، وقدر بالتخفيف قدرا فهو قادر ، إذا جعل الشيء على مقدار مناسب لما جعل له .

والمعنى : فقدرنا الخلق كقوله تعالى : ﴿ من نطفة خلقه فقدره ﴾ ( عبس : 19 ) وقوله : ﴿ وخلق كل شيء فقدره تقديرا ﴾ ( الفرقان : 2 ) .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢٩ · الصفحة ٤٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢٩ · ص ٤٣١