تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هو حاف بالعبد من الأسباب والأحوال غيرت أحوالها وقلبت آثارهما رأسا على عقب ، فصار العبد إلى صلاح بعد أن كان مغمورا بالفساد فتتهيأ للعبد حالة جديدة مخالفة لما كان حافا به ، مثل ما حصل لعمر بن الخطاب من قبول عظيم الهدى وتوغله فيه في حين كان متلبسا بسابغ الضلالة والعناد .

فمثل هذا يكون تكرمة من الله للعبد وعناية به ، وإنما تحصل هذه العناية بإرادة من الله خاصة : إما لأن حكمته اقتضت ذلك للخروج بالناس من شر إلى خير كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين ) وإما بإجابة دعوة داع استجيب له فقد أسلم عمر بن الخطاب عقب دعوة النبي صلى الله عليه وسلم المذكورة ودخل في الإسلام عقب قول النبي صلى الله عليه وسلم له : ( أما آن لك يا ابن الخطاب أن تسلم ) ألا ترى أن الهداية العظمى التي أوتيها محمد صلى الله عليه وسلم كانت أثرا من دعوة إبراهيم عليه السلام بقوله : ﴿ ربنا وابعث فيهم رسولا منهم ﴾ ( البقرة : 129 ) الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم ( أنا دعوة إبراهيم ) .

فهذا ما أمكن من بيان هاتين المشيئتين بحسب المستطاع ولعل في ذلك ما يفسر قول الشيخ أبي الحسن الأشعري في معنى الكسب والاستطاعة ( إنها سلامة الأسباب والآلات ) .

وبهذا بطل مذهب الجبرية لأن الآية أثبتت مشيئة للناس وجعلت مشيئة الله شرطا فيها لأن الاستثناء في قوة الشرط ، فللإنسان مشيئته لا محالة .

وأما مذهب المعتزلة فغير بعيد من قول الأشعري إلا في العبارة بالخلق أو بالكسب ، وعبارة الأشعري أرشق وأعلق بالأدب مع الله الخالق ، وإلا في تحقيق معنى مشيئة الله ، والفرق بينها وبين الأمر أو عدم الفرق وتفصيله في علم الكلام .

وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب ﴿ وما تشاءون ﴾ بتاء الخطاب على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ، وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وخلف بياء الغائب عائدا إلى ﴿ فمن شاء ﴾ ( الإنسان : 29 ) .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢٩ · الصفحة ٤١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢٩ · ص ٤١٥