وجيء بجملة ﴿ إنا هديناه السبيل بيانا لجملة نبتليه ﴾ تفننا في نظم الكلام .
وحقيقة الابتلاء : الاختبار لتعرف حال الشيء وهو هنا كناية عن التكليف بأمر عظيم لأن الأمر العظيم يظهر تفاوت المكلفين به في الوفاء بإقامته .
وفرع على خلقه ﴿ من نطفة ﴾ أنه جعله ﴿ سميعا بصيرا ﴾ ، وذلك إشارة إلى ما خلقه الله له من الحواس التي كانت أصل تفكيره وتدبيره ، ولذلك جاء وصفه بالسميع البصير بصيغة المبالغة ولم يقل فجعلناه : سامعا مبصرا ، لأن سمع الإنسان وبصره أكثر تحصيلا وتمييزا في المسموعات والمبصرات من سمع وبصر الحيوان ، فبالسمع يتلقى الشرائع ودعوة الرسل وبالبصر ينظر في أدلة وجود الله وبديع صنعه .
وهذا تخلص إلى ما ميز الله به الإنسان من جعله تجاه التكليف واتباع الشرائع وتلك خصيصية الإنسان التي بها ارتكزت مدنيته وانتظمت جامعاته ، ولذلك أعقبت هذه الجملة بقوله : { إنا هديناه السبيل الآيات .
} .
استئناف بياني لبيان ما نشأ عن جملة ﴿ نبتليه ﴾ ( الإنسان : 2 ) ولتفصيل جملة ﴿ فجعلناه سميعا بصيرا ﴾ ( الإنسان : 2 ) ، وتخلص إلى الوعيد على الكفر والوعد على الشكر .
وهداية السبيل : تمثيل لحال المرشد . و ﴿ السبيل ﴾ : الطريق الجادة إلى ما فيه النفع بواسطة الرسل إلى العقائد الصحيحة والأعمال الصالحة التي هي سبب فوزه بالنعيم الأبدي ، بحال من يدل السائر على الطريق المؤدية إلى مقصده من سيره .
وهذا التمثيل ينحل إلى تشبيهاتت أجزاء الحالة المركبة المشبهة بأجزاء الحالة المشبه بها ، فالله تعالى كالهادي ، والإنسان يشبه السائر المتحير في الطريق ، وأعمال الدين تشبه الطريق ، وفوز المتتبع لهدي الله يشبه البلوغ إلى المكان المطلوب .
وفي هذا نداء على أن الله أرشد الإنسان إلى الحق وأن بعض الناس أدخلوا على أنفسهم ضلال الإعتقاد ومفاسد الأعمال ، فمن برأ نفسه من ذلك فهو الشاكر