قدره ليس مما يغتبط ذوو الألباب على إصابته إذ هو قد ناقض قوله ابتداء إذ قال : ما هو بعقد السحرة ولا نفثهم وبعد أن فكر قال : ﴿ إن هذا إلا سحر يؤثر ﴾ فناقض نفسه .
وقوله : ﴿ ثم قتل كيف قدر ﴾ تأكيد لنظيره المفرع بالفاء . والعطف ب ﴿ ثم ﴾ يفيد أن جملتها أرقى رتبة من التي قبلها في الغرض المسوق له الكلام . فإذا كان المعطوف بها عين المعطوف عليه أفادت أن معنى المعطوف عليه ذو درجات متفاوتة مع أن التأكيد يكسب الكلام قوة . وهذا كقوله : ﴿ كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون ﴾ ( النبأ : 4 ، 5 ) .
و ﴿ كيف قدر ﴾ في الموضعين متحد المعنى وهو اسم استفهام دال على الحالة التي يبينها متعلق ﴿ كيف ﴾ .
والاستفهام موجه إلى سامع غير معين يستفهم المتكلم سامعه استفهاما عن حالة تقديره ، وهو استفهام مستعمل في التعجيب المشوب بالإنكار على وجه المجاز المرسل .
و ﴿ كيف ﴾ في محل نصب على الحال مقدمة على صاحبها لأن لها الصدر وعاملها ﴿ قدر ﴾ .
وقوله : ﴿ ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر ﴾ عطف على ﴿ وقدر ﴾ وهي ارتقاء متوالل فيما اقتضى التعجيب من حاله والإنكار عليه . فالتراخي تراخي رتبة لا تراخي زمنن لأن نظره وعبوسه وبسره وإدباره واستكباره مقارنة لتفكيره وتقديره .
والنظر هنا : نظر العين ليكون زائدا على ما أفاده ﴿ فكر وقدر ﴾ . والمعنى : نظر في وجوه الحاضرين يستخرج آراءهم في انتحال ما يصفون به القرآن .
و ﴿ عبس ﴾ : قطب وجهه لما استعصى عليه ما يصف به القرآن ولم يجد مغمزا مقبولا .
و ﴿ بسر ﴾ : معناه كلح وجهه وتغير لونه خوفا وكمدا حين لم يجد ما يشفي غليله من مطعن في القرآن لا ترده العقول ، قال تعالى : ﴿ ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة في سورة ﴾ ( القيامة : 24 ، 25 ) .
والإدبار : هنا يجوز أن يكون مستعارا لتغيير التفكير الذي كان يفكره ويقدره