قرأ الجمهور وأبو جعفر بكسر الهمزة . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص وخلف بفتحها وهو من قول الجن .
وقراءة فتح الهمزة عطف على المجرور بالباء ، أي آمنا بأنا منا الصالحون ، أي أيقنا بذلك وكنا في جهالة عن ذلك .
ظهرت عليهم آثار التوفيق فعلموا أنهم أصبحوا فريقين فريق صالحون وفريق ليسوا بصالحين ، وهم يعنون بالصالحين أنفسهم وبمن دون الصلاح بقية نوعهم ، فلما قاموا مقام دعوة إخوانهم إلى اتباع طريق الخير لم يصارحوهم بنسبتهم إلى الإفساد بل ألهموا وقالوا منا الصالحون ، ثم تلطفوا فقالوا : ومنا دون ذلك ، الصادق بمراتب متفاوتة في الشر والفساد ليتطلب المخاطبون دلائل التمييز بين الفريقين ، على أنهم تركوا لهم احتمال أن يعنى بالصالحين الكاملون في الصلاح فيكون المعني بمن دون ذلك من هم دون مرتبة الكمال في الصلاح ، وهذا من بليغ العبارات في الدعوة والإرشاد إلى الخير .
و ﴿ دون ﴾ : اسم بمعنى ( تحت ) ، وهو ضد فوق ولذلك كثر نصبه على الظرفية المكانية ، أي في مكان منحط عن الصالحين .
والتقدير : ومنا فريق في مرتبة دونهم .
وظرفية ﴿ دون ﴾ مجازية . ووقع الظرف هنا ظرفا مستقرا في محل الصفة لموصوف محذوف تقديره : فريق ، كقوله تعالى : ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم ﴾ ( الصافات : 164 ) ويطرد حذف الموصوف إذا كان بعض اسم مجرور بحرف ( من ) مقدمم عليه وكانت الصفة ظرفا كما هنا ، أو جملة كقول العرب : منا ظعن ومنا أقام .
وقوله : ﴿ كنا طرائق قددا ﴾ تشبيه بليغ ، شبه تخالف الأحوال والعقائد بالطرائق تفضي كل واحدة منها إلى مكان لا تفضي إليه الأخرى .
و ﴿ طرائق ﴾ : جمع طريقة ، والطريقة هي الطريق ، ولعلها تختص بالطريق الواسع الواضح لأن التاء للتأكيد مثل دار ودارة ، ومثل مقام ومقامة ، ولذلك شبه بها أفلاك الكواكب في قوله تعالى ﴿ ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق ﴾ ( المؤمنون : 17 ) ووصفت بالمثلى في قوله : ﴿ ويذهبا بطريقتكم المثلى ﴾ ( طه : 63 ) .
ووصف ﴿ طرائق ﴾ ب ﴿ قددا ، ﴾ وهو اسم جمع قدة بكسر القاف وتشديد