يكره ذكره لا سيما وقد أضافه إلى من يحتمل إضافته ( أي ما يكره ) إليه وهم العواد . ولو انفرد لكان الأمر فيه سهلا . قال ابن الأثير : هذه اللفظة المعيبة في شعر الرضي قد جاءت في القرآن فجاءت حسنة مرضية في قوله تعالى : ﴿ تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال ﴾ ( آل عمران : 121 ) وقوله : ﴿ وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع ﴾ ، ألا ترى أنها في هاتين الآيتين غير مضافة إلى من تقبح إضافتها إليه ولو قال الشاعر بدلا من مقاعد العواد مقاعد الزيارة لزالت تلك الهجنة اه . وأقول : إن لمصطلحات الناس في استعمال الكلمات أثرا في وقع الكلمات عند الأفهام .
والفاء التي فرعت ﴿ من يستمع الآن يجد له شهابا رصدا ﴾ تفريع على محذوف دل عليه فعل ﴿ كنا ﴾ وترتب الشرط وجزائه عليه وتقديره : كنا نقعد منها ( أي من السماء ) مقاعد للسمع فنستمع أشياء فمن يستمع الآن لا يتمكن من السماع .
وكلمة ﴿ الآن ﴾ مقابل كلمة ﴿ كنا ﴾ ، أي كان ذلك ثم انقضى .
وجيء بصيغة الشرط وجوابه في التفريع لأن الغرض تحذير إخوانهم من التعرض للاستماع لأن المستمع يتعرض لأذى الشهب .
والجن لا تنكف عن ذلك لأنهم منساقون إليه بالطبع مع ما ينالهم من أذى الرجم والاحتراق ، شأن انسياق المخلوقات إلى ما خلقت له مثل تهافت الفراش على النار ، لاحتمال ضعف القوة المفكرة في الجن بحيث يغلب عليها الشهوة ، ونحن نرى البشر يقتحمون الأخطار والمهالك تبعا للهوى مثل مغامرات الهواة في البحار والجبال والثلوج .
ووقع ﴿ شهابا ﴾ في سياق الشرط يفيد العموم لأن سياق الشرط بمنزلة سياق النفي في إفادة عموم النكرة .
والرصد : اسم جمع راصد وهو الحافظ للشيء وهو وصف ل ﴿ شهابا ﴾ ، أي شهبا راصدة ، ووصفها بالرصد استعارة شبهت بالحراس الراصدين . وهذا إشارة إلى انقراض الكهانة إذ الكاهن يتلقى من الجني أنباء مجملة بما يتلقفه الجني من خبر الغيب تلقف اختطاف ناقصا فيكمله الكاهن بحدسه بما يناسب مجاري أحوال قومه وبلده . وفي الحديث ( فيزيد على تلك الكلمة مائة كذبة ) .