وقوله : ﴿ وإنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع ﴾ الخ قرأه بكسر الهمزة الذين قرأوا بالكسر قوله : ﴿ وإنا لمسنا السماء ﴾ وبفتح الهمزة الذين قرأوا بالفتح وهذا من تمام قولهم : ﴿ وإنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا ﴾ . وإنما أعيد معه كلمة ﴿ وإنا ﴾ للدلالة على أن الخبر الذي تضمنه هو المقصود وأن ما قبله كالتوطئة له فإعادة ﴿ وإنا ﴾ توكيد لفظي .
وحقيقة القعود الجلوس وهو ضد القيام ، أي هو جعل النصف الأسفل مباشرا للارض مستقرا عليها وانتصاب النصف الأعلى . وهو هنا مجاز في ملازمة المكان زمنا طويلا لأن ملازمة المكان من لوازم القعود ومنه قوله تعالى : ﴿ واقعدوا لهم كل مرصد ﴾ ( التوبة : 5 ) .
والمقاعد : جمع مقعد وهو مفعل للمكان الذي يقع فيه القعود ، وأطلق هنا على مكان الملازمة فإن القعود يطلق على ملازمة الحصول كما في قول امرىء القيس :
فقلت يمين الله أبرح قاعدا
واللام في قوله : ﴿ للسمع ﴾ لام العلة أي لأجل السمع ، أي لأن نسمع ما يجري في العالم العلوي من تصاريف الملائكة بالتكوين والتصريف ، ولعل الجن منساقون إلى ذلك بالجبلة كما تنساق الشياطين إلى الوسوسة ، وضمير ﴿ منها ﴾ للسماء .
و ( من ) تبعيضية ، أي من ساحاتها وهو متعلق ب ﴿ نقعد ﴾ ، وليس المجرور حالا من ﴿ مقاعد ﴾ مقدما على صاحبه لأن السياق في الكلام على حالهم في السماء فالعناية بمتعلق فعل القعود أولى ، ونظيره قول كعب :
يمشي القراد عليها ثم يزلقه
منها لبان وأقرب زهاليل
فقوله ( منها ) متعلق بفعل ( يزلقه ) وليس حالا من ( لبان ) .
وأعلم أنه قد جرى على قوله تعالى : ﴿ مقاعد للسمع ﴾ مبحث في مباحث فصاحة الكلمات نسبه ابن الأثير في ( المثل السائر ) إلى ابن سنان الخفاجي فقال : إنه قد يجيء من الكلام ما معه قرينه فأوجب قبحه كقول الرضي في رثاء الصابي :
أعزز علي بأن أراك وقد خلا
عن جانبيك مقاعد العواد
فإن إيراد هذه اللفظة ( أي مقاعد ) في هذا الموضع صحيح إلا أنه يوافق ما