وجملة ﴿ إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ﴾ تعليل لسؤاله أن لا يترك الله على الأرض أحدا من الكافرين يريد أنه خشي أن يضلوا بعض المؤمنين وأن يلدوا أبناء ينشأون على كفرهم .
والأرض يجوز أن يراد بها جميع الكرة الدنيوية ، وأن يراد أرض معهودة للمتكلم والمخاطبب كما في قوله تعالى : { قال اجعلني على خزائن الأرض يعني أرض مصر في سورة يوسف .
ويحتمل أن يكون البشر يومئذ منحصرين في قوم نوح ، ويجوز خلافه ، وعلى هذه الاحتمالات ينشأ احتمال أن يكون الطوفان قد غمر جميع الكرة الأرضية ، واحتمال أن يكون طوفانا قاصرا على ناحية كبيرة من عموم الأرض ، والله أعلم . وقد تقدم ذلك عند تفسير قوله تعالى : فأنجيناه والذين معه في الفلك في سورة الأعراف .
وخبر إنك } مجموع الشرط مع جوابه الواقع بعد ( إن ) لأنه إذا اجتمع مبتدأ وشرط رجح الشرط على المبتدأ فأعطي الشرط الجواب ولم يعط المبتدأ خبرا لدلالة جملة الشرط وجوابه عليه .
وعلم نوح أنهم لا يلدون إلا فاجرا كفارا بأن أولادهم ينشأون فيهم فيلقنونهم دينهم ويصدون نوحا عن أن يرشدهم فحصل له علم بهذه القضية بدليل التجربة .
والمعنى : ولا يلدوا إلا من يصير فاجرا كفارا عند بلوغه سن العقل .
والفاجر : المتصف بالفجور ، وهو العمل الشديد الفساد .
والكفار : مبالغة في الموصوف بالكفر ، أي إلا من يجمع بين سوء الفعل وسوء الإعتقاد ، قال تعالى : ﴿ أولئك هم الكفرة الفجرة ﴾ ( عبس : 42 ) .
وفي كلام نوح دلالة على أن المصلحين يهتمون بإصلاح جيلهم الحاضر ولا يهملون تأسيس أسس إصلاح الأجيال الآتية إذ الأجيال كلها سواء في نظرهم الإصلاحي . وقد انتزع عمر بن الخطاب من قوله تعالى : ﴿ والذين جاءوا من بعدهم ﴾ ( الحشر : 10 ) دليلا على إبقاء أرض سواد العراق غير مقسومة بين الجيش الذي فتح العراق وجعلها خراجا لأهلها قصدا لدوام الرزق منها لمن سيجيء من المسلمين .