والبصر مستعمل في حقيقته . والمراد به البصر المصحوب بالتفكر والاعتبار بدلالة الموجودات على موجدها .
وهذا يتصل بمسألة إيمان المقلد وما اختلف فيه من الرواية عن الشيخ أبي الحسن الأشعري .
والاستفهام في ﴿ هل ترى من فطور ﴾ تقريري ووقع ب ﴿ هل ﴾ لأن ﴿ هل ﴾ تفيد تأكيد الاستفهام إذ هي بمعنى ( قد ) في الاستفهام ، وفي ذلك تأكيد وحث على التبصر والتأمل ، أي لا تقتنع بنظرة ونظرتين ، فتقول : لم أجد فطورا ، بل كرر النظر وعاوده باحثا عن مصادفة فطور لعلك تجده .
والفطور : جمع فطر بفتح الفاء وسكون الطاء ، وهو الشق والصدع ، أي لا يسعك إلا أن تعترف بانتفاء الفطور في نظام السماوات فتراها ملتئمة محبوكة لا ترى في خلالها انشقاقا ، ولذلك كان انفطار السماء وانشقاقها علامة على انقراض هذا العالم ونظامه الشمسي ، قال تعالى : ﴿ وفتحت السماء فكانت أبوابا ﴾ ( النبأ : 19 ) وقال : ﴿ إذا السماء انشقت ﴾ ( الانشقاق : 1 ) ﴿ إذا السماء انفطرت ﴾ ( الانفطار : 1 ) .
وعطف ﴿ ثم ارجع البصر كرتين ﴾ دال على التراخي الرتبي كما هو شأن ﴿ ثم ﴾ في عطف الجمل ، فإن مضمون الجملة المعطوفة ب ﴿ ثم ﴾ هنا أهم وأدخل في الغرض من مضمون الجملة المعطوف عليها لأن إعادة النظر تزيد العلم بانتفاء التفاوت في الخلق رسوخا ويقينا .
و ﴿ كرتين ﴾ تثنية كرة وهي المرة وعبر عنها هنا بالكرة مشتقة من الكر وهو العود لأنها عود إلى شيء بعد الانفصال عنه ككرة المقاتل يحمل على العدو بعد أن يفر فرارا مصنوعا . وإيثار لفظ كرتين في هذه الآية دون مرادفة نحو مرتين وتارتين لأن كلمة كرة لم يغلب إطلاقها على عدد الاثنين ، فكان إيثارها في مقام لا يراد فيه اثنين أظهر في أنها مستعملة في مطلق التكرير دون عدد اثنين أو زوج وهذا من خصائص الإعجاز ، ألا ترى أن مقام إرادة عدد الزوج كان مقتضيا تثنية مرة في قوله تعالى : ﴿ الطلاق مرتان ﴾ ( البقرة : 229 ) لأنه أظهر في إرادة العدد إذ لفظ مرة أكثر تداولا .
وتثنية ﴿ كرتين ﴾ ليس المراد بها عدد الاثنين الذي هو ضعف الواحد إذ لا يتعلق غرض بخصوص هذا العدد ، وإنما التثنية مستعملة كناية عن مطلق التكرير