ويجوز أن يكون ﴿ خلق ﴾ مصدرا فيشمل خلق السماوات وخلق غيرها فإن صنع الله رحمة للناس لو استقاموا كما صنع لهم وأوصاهم ، فتفيد هذه الجملة مفاد التذييل في أثناء الكلام على وجه الاعتراض ولا يكون إظهارا في مقام الإضمار .
والتعبير بوصف ﴿ الرحمن ﴾ دون اسم الجلالة إيماء إلى أن هذا النظام مما اقتضته رحمته بالناس لتجري أمورهم على حالة تلائم نظام عيشهم ، لأنه لو كان فيما خلق الله تفاوت لكان ذلك التفاوت سببا لاختلال النظام فيتعرض الناس بذلك لأهوال ومشاق ، قال تعالى : ﴿ وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر ﴾ ( الأنعام : 97 ) وقال : ﴿ هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق ﴾ ( يونس : 5 ) .
وأيضا في ذلك الوصف تورك على المشركين إذ أنكروا اسمه تعالى : ﴿ الرحمن ﴾ ﴿ وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمان قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا ﴾ ( الفرقان : 60 ) .
وفرع عليه قوله : ﴿ فارجع البصر ﴾ الخ . والتفريع للتسبب ، أي انتفاء رؤية التفاوت ، جعل سببا للأمر بالنظر ليكون نفي التفاوت معلوما عن يقين دون تقليد للمخبر .
ورجع البصر : تكريره والرجع : العود إلى الموضع الذي يجاء منه ، وفعل : رجع يكون قاصرا ومتعديا إلى مفعول بمعنى : أرجع ، فأرجع هنا فعل أمر من رجع المتعدي .
والرجع يقتضي سبق حلول بالموضع ، فالمعنى : أعد النظر ، وهو النظر الذي دل عليه قوله : ﴿ ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ﴾ أي أعد رؤية السماوات وأنها لا تفاوت فيها إعادة تحقيق وتبصر ، كما يقال : أعد نظرا .
والخطاب في قوله : ﴿ ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ﴾ وقوله : ﴿ فارجع البصر ﴾ الخ . خطاب لغير معين .
وصيغة الأمر مستعملة في الإرشاد للمشركين مع دلالته على الوجوب للمسلمين فإن النظر في أدلة الصفات واجب لمن عرض له داع إلى الاستدلال .