.
جملة معترضة ناشئة عن جملة ﴿ هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب ﴾ ( الحشر : 2 ) . فالواو اعتراضية ، أي أخرجهم الله من قريتهم عقابا لهم على كفرهم وتكذيبهم للرسول صلى الله عليه وسلم كما قال : ﴿ ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ﴾ ( الحشر : 4 ) ولو لم يعاقبهم الله بالجلاء لعاقبهم بالقتل والأسر لأنهم استحقوا العقاب . فلو لم يقذف في قلوبهم الرعب حتى استسلموا لعاقبهم بجوع الحصار وفتح ديارهم عنوة فعذبوا قتلا وأسرا .
والمراد بالتعذيب : الألم المحسوس بالأبدان بالقتل والجرح والأسر والإهانة وإلا فإن الإخراج من الديار نكبة ومصيبة لكنها لا تدرك بالحس وإنما تدرك بالوجدان .
و ﴿ لولا ﴾ حرف امتناع لوجود ، تفيد امتناع جوابها لأجل وجود شرطها ، أي وجود تقدير الله جلاءهم سبب لانتفاء تعذيب الله إياهم في الدنيا بعذاب آخر .
وإنما قدر الله لهم الجلاء دون التعذيب في الدنيا لمصلحة اقتضتها حكمته ، وهي أن يأخذ المسلمون أرضهم وديارهم وحوائطهم دون إتلاف من نفوس المسلمين مما لا يخلو منه القتال لأن الله أراد استبقاء قوة المسلمين لما يستقبل من الفتوح ، فليس تقدير الجلاء لهم لقصد اللطف بهم وكرامتهم وإن كانوا قد آثروه على الحرب .
ومعنى ﴿ كتب الله عليهم ﴾ قدر لهم تقديرا كالكتابة في تحقق مضمونه وكان مظهر هذا التقدير الإلهي ما تلاحق بهم من النكبات من جلاء النضير ثم فتح قريظة ثم فتح خيبر .
والجلاء : الخروج من الوطن بنية عدم العود ، قال زهير :
فإن الحق مقطعه ثلاث
يمين أو نفار أو جلاء
وأعلم أن ﴿ أن ﴾ الواقعة بعد ﴿ لولا ﴾ هنا مصدرية لأن ﴿ أن ﴾ الساكنة النون إذا لم