والمراد بالنور الذي أنزل الله ، القرآن ، وصف بأنه نور على طريقة الاستعارة لأنه أشبه النور في إيضاح المطلوب باستقامة حجته وبلاغة كلامه قال تعالى : ﴿ وأنزلنا إليكم نورا مبينا ﴾ ( النساء : 174 ) . وأشبه النور في الإرشاد إلى السلوك القويم وفي هذا الشبه الثاني تشاركه الكتب السماوية ، قال تعالى : ﴿ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ﴾ ( المائدة : 44 ) ، وقرينة الاستعارة قوله : ﴿ الذي أنزلنا ﴾ ، لأنه من مناسبات المشبه لاشتهار القرآن بين الناس كلهم بالألقاب المشتقة من الإنزال والتنزيل عرف ذلك المسلمون والمعاندون . وهو إنزال مجازي أريد به تبليغ مراد الله إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقد تقدم عند قوله تعالى : { والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك في سورة البقرة وفي آيات كثيرة .
وإنما جعل الإيمان بصدق القرآن داخلا في حيز فاء التفريع لأن ما قبل الفاء تضمن أنهم كذبوا بالقرآن من قوله : ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا } ( التغابن : 6 ) كما قال المشركون من أهل مكة ، والإيمان بالقرآن يشمل الإيمان بالبعث فكان قوله تعالى : ﴿ والنور الذي أنزلنا ﴾ شاملا لما سبق الفاء من قوله : ﴿ زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا ﴾ ( التغابن : 7 ) الخ .
وفي قوله : ﴿ الذي أنزلنا ﴾ التفات من الغيبة إلى المتكلم لزيادة الترغيب في الإيمان بالقرآن تذكيرا بأنه منزل من الله لأن ضمير التكلم أشد دلالة على معاده من ضمير الغائب ، ولتقوية داعي المأمور .
وجملة ﴿ والله بما تعملون خبير ﴾ تذييل لجملة ﴿ فآمنوا بالله ورسوله ﴾ يقتضي وعدا إن آمنوا ، ووعيدا إن لم يؤمنوا .
وفي ذكر اسم الجلالة إظهار في مقام الإضمار لتكون الجملة مستقلة جارية مجرى المثل والكلمم الجوامع ، ولأن الاسم الظاهر أقوى دلالة من الضمير لاستغنائه عن تطلب المعاد . وفيه من تربية المهابة ما في قول الخليفة ( أمير المؤمنين يأمركم بكذا ) .
والخبير : العليم ، وجيء هنا بصفة ( الخبير ) دون : البصير ، لأن ما يعلمونه منه محسوسات ومنه غير محسوسات كالمعتقدات ، ومنها الإيمان بالبعث ، فعلق بالوصف الدال على تعلق العلم الإلاهي بالموجودات كلها ، بخلاف قوله فيما