وانتصب فعل ﴿ فأصدق ﴾ على إضمار ( أن ) المصدرية إضمارا واجبا في جواب الطلب .
وأما قوله : ﴿ وأكن ﴾ فقد اختلف فيه القراء .
فأما الجمهور فقرأوه مجزوما بسكون آخره على اعتباره جوابا للطلب مباشرة لعدم وجود فاء السببية فيه ، واعتبار الواو عاطفة جملة على جملة وليست عاطفة مفردا على مفرد . وذلك لقصد تضمين الكلام معنى الشرط زيادة على معنى التسبب فيغني الجزم عن فعل شرط . فتقديره : إن تؤخرني إلى أجل قريب أكن من الصالحين ، جمعا بين التسبب المفاد بالفاء ، والتعليق الشرطي المفاد بجزم الفعل .
وإذا قد كان الفعل الأول هو المؤثر في الفعلين الواقع أحدهما بعد فاء السببية والآخر بعد الواو العاطفة عليه . فقد أفاد الكلام التسبب والتعليق في كلا الفعلين وذلك يرجع إلى محسن الاحتباك . فكأنه قيل : لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكون من الصالحين . إن تؤخرني إلى أجل قريب أصدق وأكن من الصالحين .
ومن لطائف هذا الاستعمال أن هذا السائل بعد أن حث سؤاله أعقبه بأن الأمر ممكن فقال : إن تؤخرني إلى أجل قريب أصدق وأكن من الصالحين . وهو من بدائع الاستعمال القرآني لقصد الإيجاز وتوفير المعاني .
ووجه أبو علي الفارسي والزجاج قراءة الجمهور بجعل ﴿ وأكن ﴾ معطوفا على محل ﴿ فأصدق ﴾ . وقرأه أبو عمرو وحده من بين العشرة ﴿ وأكون ﴾ بالنصب والقراءة رواية متواترة وإن كانت مخالفة لرسم المصاحف المتواترة . وقيل : إنها يوافقها رسم مصحف أبي بن كعب ومصحف ابن مسعود .
وقرأ بذلك الحسن والأعمش وابن محيض من القراءات غير المشهورة . ورويت عن مالك بن دينار وابن جبير وأبي رجاء . وتلك أقل شهرة .
واعتذر أبو عمرو عن مخالفة قراءته للمصحف بأن الواو حذفت في الخط اختصارا يريد أنهم حذفوا صورة إشباع الضمة وهو الواو اعتمادا على نطق القارىء