قال في ( الكشاف ) في قوله تعالى : ﴿ إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها في سورة الفرقان و ( لولا ) في مثل هذا الكلام جار من حيث المعنى لا من حيث الصنعة مجرى التقييد للحكم المطلق . وقال هنا إن كنتم خرجتم ﴾ متعلق ب ﴿ لا تتخذوا ﴾ وقول النحويين في مثله على أنه شرط جوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه . اه . يعني أن فرقا بين كلام النحويين وبين ما اختاره هو من جعله متعلقا ب ﴿ لا تتخذوا ﴾ فإنه جعل جواب الشرط غير منوي . قلت : فينبغي أن يعد كلامه من فروق استعمال الشروط مثل فروق الخبر وفروق الحال المبوب لكليهما في كتاب ( دلائل الإعجاز ) . وكلام النحاة جرى على غالب أحوال الشروط التي تتأخر عن جوابها نحو : اقبل شفاعة فلان إن شفع عندك ، وينبغي أن يتطلب لتقديم ما يدل على الجواب المحذوف إذا حذف نكتة في غير ما جرى على استعمال الشرط بمنزلة التذييل والتتميم .
وأداة الشرط في مثله تشبه ﴿ إن ﴾ الوصلية و ( لو ) الوصلية ، ولذلك قال في ( الكشاف ) هنا : إن جملة ﴿ إن كنتم خرجتم ﴾ متعلقة ب ﴿ لا تتخذوا ﴾ يعني تعلق الحال بعاملها ، أي والحال حال خروجكم في سبيل الله وابتغائكم مرضاته بناء على أن شرط ﴿ إن ﴾ . و ( لو ) الوصليتين يعتبر حالا . ولا يعكر عليه أن شرطهما يقترن بواو الحال لأن ابن جني والزمخشري سوغا خلو الحال في مثله عن الواو والاستعمال يشهد لهما .
والمعنى : لا يقع منكم اتخاذ عدوي وعدوكم أولياء ومودتهم ، مع أنهم كفروا بما جاءكم من الحق ، وأخرجوكم لأجل إيمانكم . إن كنتم خرجتم من بلادكم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي ، فكيف توالون من أخرجوكم وكان إخراجهم إياكم لأجلي وأنا ربكم .
والمراد بالخروج في قوله : ﴿ إن كنتم خرجتم ﴾ الخروج من مكة مهاجرة إلى المدينة . فالخطاب خاص بالمهاجرين على طريقة تخصيص العموم في قوله تعالى : ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ﴾ روعي في هذا التخصيص قرينة سبب نزول الآية على حادث حاطب بن أبي بلتعة .
و ﴿ جهادا ﴾ ، و ﴿ ابتغاء مرضاتي ﴾ مصدران منصوبان على المفعول لأجله .