تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجملة ﴿ إن أمهاتهم ﴾ الخ واقعة موقع التعليل لجملة ﴿ ما هن أمهاتهم ﴾ ، وهو تعليل للمقصود من هذا الكلام . أعني إبطال التحريم بلفظ الظهار ، إذ كونهن غير أمهاتهم ضروري لا يحتاج إلى التعليل .

وزيد صنيعهم ذما بقوله : ﴿ وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا ﴾ توبيخا لهم على صنيعهم ، أي هو مع كونه لا يوجب تحريم المرأة هو قول منكر ، أي قبيح لما فيه من تعريض حرمة الأم لتخيلات شنيعة تخطر بمخيلة السامع عند ما يسمع قول المظاهر : أنتت علي كظهر أمي . وهي حالة يستلزمها ذكر الظهر في قوله : ( كظهر أمي ) .

وأحسب أن الفكر الذي أملى صيغة الظهار على أول من نطق بها كان مليئا بالغضب الذي يبعث على بذيء الكلام مثل قولهم : امصص بظر أمك في المشاتمة ، وهو أيضا قول زور لأنه كذب إذ لم يحرمها الله . وقد قال تعالى في سورة الأحزاب : { وما جعل أزواجكم اللائي تظهرون منهن أمهاتكم .

وتأكيد الخبر بإن } واللامم ، للاهتمام بإيقاظ الناس لشناعته إذ كانوا قد اعتادوه فنزلوا منزلة من يتردد في كونه منكرا أو زورا ، وفي هذا دلالة على أن الظهار لم يكن مشروعا في شرع قديم ولا في شريعة الإسلام ، وأنه شيء وضعه أهل الجاهلية كما نبه عليه عده مع تكاذيب الجاهلية في قوله تعالى : { ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم . وقد تقدم في سورة الأحزاب .

وبعد هذا التوبيخ عطف عليه جملة وإن الله لعفو } كناية عن عدم مواخذتهم بما صدر منهم من الظهار قبل هذه الآية ، إذ كان عذرهم أن ذلك قول تابعوا فيه أسلافهم وجرى على ألسنتهم دون تفكر في مدلولاته . وأما بعد نزول هذه الآية فمذهب المالكية : أن حكم إيقاعه الحرمة كما صرح به ابن راشد القفصي في ( اللباب ) لقوله بعده : ﴿ وتلك حدود الله ﴾ ( المجادلة : 4 ) أن إيقاع الظهار معصية ، ولكونه معصية فسر ابن عطية قوله تعالى : ﴿ وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا ﴾ . وبذلك أيضا فسر القرطبي قوله تعالى : ﴿ وتلك حدود الله ﴾ . وقال ابن الفرس : هو حرام لا يحل إيقاعه . ودل على تحريمه ثلاثة أشياء :

أحدها : تكذيب الله تعالى من فعل ذلك .

الثاني : أنه سماه منكرا وزورا ، والزور الكذب وهو محرم بإجماع .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢٨ · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢٨ · ص ١٣