تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا محالة ، وإن إفضاءها إليها بعضه خارجج عن طوق البشر ومتجاوز حد معالجته ومحاولته ، وفعل الفوات مشعر بأن الفائت قد سعى المفوت عليه في تحصيله ثم غلب على نواله بخروجه عن مكنته ، فإذا رسخ ذلك في علم أحد لم يحزن على ما فاته مما لا يستطيع دفعه ولم يغفل عن ترقب زوال ما يسره إذا كان مما يسره ، ومن لم يتخلق بخلق الإسلام يتخبط في الجوع إذا أصابه مصاب ويستطار خيلاء وتطاولا إذا ناله أمر محبوب فيخرج عن الحكمة في الحالين .

والمقصود من هذا التنبيه على أن المفرحات صائرة إلى زوال وأن زوالها مصيبة .

واعلم أن هذا مقام المؤمن من الأدب بعد حلول المصيبة وعند نوال الرغيبة .

وصلة الموصول في ﴿ بما آتاكم ﴾ مشعرة بأنه نعمة نافعة ، وفيه تنبيه على أن مقام المؤمن من الأدب بعد حلول المصيبة وعند انهيال الرغيبة ، هو أن لا يحزن على ما فات ولا يبطر بما ناله من خيرات ، وليس معنى ذلك أن يترك السعي لنوال الخير واتقاء الشر قائلا : إن الله كتب الأمور كلها في الأزل ، لأن هذا إقدام على إفساد ما فطر عليه الناس وأقام عليه نظام العالم . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للذين قالوا أفلا نتكل ( اعملوا فكل ميسر لما خلق له ) .

وقوله : ﴿ والله لا يحب كل مختال فخور ﴾ تحذير من الفرح الواقع في سياق تعليل الأخبار بأن كل ما ينال المرء ثابت في كتاب ، وفيه بيان للمراد من الفرح أنه الفرح المفرط البالغ بصاحبه إلى الاختيال والفخر .

والمعنى : والله لا يحب أحدا مختالا وفخورا ولا تتوهم أن موقع ( كل ) بعد النفي يفيد النفي عن المجموع لا عن كل فرد لأن ذلك ليس مما يقصده أهل اللسان ، ووقع للشيخ عبد القاهر ومتابعيه توعم فيه ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { والله لا يحب كل كفار أثيم في سورة البقرة ونبهت عليه في تعليقي على دلائل الإعجاز .

وقرأ الجمهور آتاكم } بمد بعد الهمزة محول عن همزة ثانية هي فاء الكلمة ، أي ما جعله آتيا لكم ، أي حاصلا عندكم ، فالهمزة الأولى للتعدية إلى مفعول ثان ، والتقدير : بما آتاكموه . والإتيان هنا أصله مجاز وغلب استعماله حتى

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢٧ · الصفحة ٤١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢٧ · ص ٤١٢