وتنكير ﴿ مغفرة ﴾ لقصد تعظيمها ولتكون الجملة مستقلة بنفسها ، وإلا فإن المغفرة سبق ذكرها في قوله : ﴿ ومغفرة من الله ﴾ ، فكان مقتضى الظاهر أن يقال : سابقوا إلى المغفرة ، أي أكثروا من أسبابها ووسائلها : فالمسابقة إلى المغفرة هي المسابقة في تحصيل أسبابها .
والعرض : مستعمل في السعة وليس مقابل الطور لظهور أنه لا طائل في معنى ما يقابل الطول ، وهذا كقوله تعالى : ﴿ وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض ﴾ ( فصلت : 51 ) ، وقول العديل لما فر من وعيد الحجاج :
ودون يد الحجاج من أن تنالني
بساط بأيدي الناعجات عريض
وتشبيه عرض الجنة بعرض السماء والأرض ، أي مجموع عرضيهما لقصد تقريب المشبه بأقصى ما يتصوره الناس في الاتساع ، وليس المراد تحديد ذلك العرض ولا أن الجنة في السماء حتى يقال : فماذا بقي لمكان جهنم .
وهذا الأمر شامل لجميع المسابقات إلى أفعال البر الموجبة للمغفرة ونعيم الجنة ، وشامل للمسابقة الحقيقية مع المجازية على طريقة استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه ، وهي طريقة شائعة في القرآن إكثارا للمعاني ، ومنه الحديث : ( لو يعلم الناس ما في الصف الأول لاستبقوا إليه أو استهموا إليه ) .
وليس في الآية دليل على أن الجنة غير مخلوقة الآن إذ وجه الشبه في قوله : ﴿ كعرض السماء والأرض ﴾ هو السعة لا المقدار ولا على أن الجنة في السماء الموجودة اليوم ولا عدمه ، وتقدم من معنى هذه الآية قوله : { سارعوا إلى مغفرة من ربكم الآية في سورة آل عمران .
وظاهر قوله : أعدت } أن الله خلقها وأعدها لأن ظاهر استعماله الفعل في الزمان الماضي إن حصل مصدره فيه ، فقد تمسك بهذا الظاهر الذين قالوا : إن الجنة مخلوقة الآن ، وأما الذين نفوا ذلك فاستندوا إلى ظواهر أخرى وتقدم ذلك في سورة آل عمران .