تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأما قصر الأولية على الله تعالى في صفة الوجود فظاهر ، وأما قصر الآخرية عليه في ذلك وهو معنى البقاء ، فإن أريد به البقاء في العالم الدنيوي عرض إشكال المتعارض بما ورد من بقاء الأرواح ، وحديث ( أن عجب الذنب لا يفنى وأن الإنسان منه يعاد ) . ورفع هذا الإشكال أن يجعل القصر ادعائيا لعدم الاعتداد ببقاء غيره تعالى لأنه بقاء غير واجب بل هو بجعل الله تعالى .

والجمع بين وصفي ﴿ الأول والأخر ﴾ فيه محسن الطباق .

و ﴿ الظاهر ﴾ الأرجح أنه مشتق من الظهور الذي هو ضد الخفاء فيكون وصفه تعالى به مجازا عقليا ، فإن إسناد الظهور في الحقيقة هو ظهور أدلة صفاته الذاتية لأهل النظر والاستدلال والتدبر في آيات العالم فيكون الوصف جامعا لصفته النفسية ، وهي الوجود ، إذ أدلة وجوده بينة واضحة ولصفاته الأخرى مما دل عليها فعله من قدرة وعلم وحياة وإرادة ، وصفات الأفعال من الخلق والرزق والإحياء والإماتة كما علمت في قوله : ﴿ هو الأول ﴾ عن النقص أو ما دل عليها تنزيهه عن النقص كصفة الوحدانية والقدم والبقاء والغنى المطلق ومخالفة الحوادث ، وهذا المعنى هو الذي يناسبه المقابلة بالباطن .

ويجوز أن يكون مشتقا من الظهور ، أي الغلبة كالذي في قوله تعالى : ﴿ إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم ﴾ ( الكهف : 20 ) ، فمعنى وصفه تعالى ب ﴿ الظاهر ﴾ أنه الغالب .

وهذا لا يناسب مقابلته ب ﴿ الباطن ﴾ إلا على اعتبار محسن الإيهام ، وما وقع في حديث أبي هريرة في ( صحيح مسلم ) من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ) فمعنى فاء التفريع فيه أن ظهوره تعالى سبب في انتفاء أن يكون شيء فوق الله في الظهور ، أي في دلالة الأدلة على وجوده واتصافه بصفات الكمال ، فدلالة الفاء تفريع لا تفسير .

و ﴿ الباطن ﴾ الخفي يقال : بطن ، إذا خفي ومصدره بطون .

ومعنى وصفه تعالى بباطن وصف ذاته وكنهه لأنه محجوب عن إدراك الحواس الظاهرة قال تعالى : ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ ( الأنعام : 103 ) .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢٧ · الصفحة ٣٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢٧ · ص ٣٦٢