تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على تركيب يقتضي النظر في وجود الإله ويسوق إلى توحيده ولكن كسب الناس يجرف أعمالهم عن المهيع الذي خلقوا لأجله ، وأسباب تمكنهم من الانحراف كثيرة راجعة إلى تشابك الدواعي والتصرفات والآلات والموانع .

وهذا يغني عن احتمالات في تأويل التعليل من قوله : ليعبدون } من جعل عموم الجن والإنس مخصوصا بالمؤمنين منهم ، أو تقدير محذوف في الكلام ، أي إلا لآمرهم بعبادتي ، أو حمل العبادة بمعنى التذلل والتضرع الذي لا يخلو منه الجميع في أحوال الحاجة إلى التذلل والتضرع كالمرض والقحط وقد ذكرها ابن عطية .

ويرد على جميع تلك الاحتمالات أن كثيرا من الإنس غير عابد بدليل المشاهدة ، وأن الله حكى عن بعض الجن أنهم غير عابدين .

ونقول : إن الله خلق مخلوقات كثيرة وجعل فيها نظما ونواميس فاندفع كل مخلوق يعمل بما تدفعه إليه نواميس جبلته ، فقد تعود بعض المخلوقات على بعض بنقض ما هيء هو له ويعود بعضها على غيره بنقض ما يسعى إليه ، فتشابكت أحوال المخلوقات ونواميسها ، فربما تعاضدت وتظاهرت وربما تناقضت وتنافرت فحدثت من ذلك أحوال لا تحصى ولا يحاط بها ولا بطرائقها ولا بعواقبها ، فكثيرا ما تسفر عن خلاف ما أعد له المخلوق في أصل الفطرة فلذلك حاطها الله بالشرائع ، أي فحصل تناقض بين الأمر التكويني والأمر التشريعي .

ومعنى العبادة في اللغة العربية قبل حدوثث المصطلحات الشرعية دقيق الدلالة ، وكلمات أئمة اللغة فيه خفية والذي يستخلص منها أنها إظهار الخضوع للمعبود واعتقاد أنه يملك نفع العابد وضره ملكا ذاتيا مستمرا ، فالمعبود إله للعابد كما حكى الله قول فرعون ﴿ وقومهما لنا عابدون ﴾ ( المؤمنون : 47 ) .

فالحصر المستفاد من قوله : ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ قصر علة خلق الله الإنس والجن على إرادته أن يعبدوه ، والظاهر أنه قصر إضافي وأنه من قبيل قصر الموصوف على الصفة ، وأنه قصر قلب باعتبار مفعول ﴿ يعبدون ﴾ ، أي إلا ليعبدوني وحدي ، أي لا ليشركوا غيري في العبادة ، فهو رد للإشراك ، وليس هو قصرا حقيقيا فإنا وإن لم نطلع على مقادير حكم الله تعالى

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢٧ · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢٧ · ص ٢٦