ومما يستلزمه معنى القدر أن كل شيء مخلوق هو جار على وفق علم الله وإرادته لأنه خالق أصول الأشياء وجاعل القوى فيها لتنبعث عنها آثارها ومتولداتها ، فهو عالم بذلك ومريد لوقوعه . وهذا قد سمي بالقدر في اصطلاح الشريعة كما جاء في حديث جبريل الصحيح في ذكر ما يقع به الإيمان : وتؤمن بالقدر خيره وشره .
وأخرج مسلم والترمذي عن أبي هريرة : جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله في القدر فنزلت : يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر } ( القمر : 48 ، 49 ) . ولم يذكر راوي الحديث تعيين معنى القدر الذي خاصم فيه كفار قريش فبقي مجملا ويظهر أنهم خاصموا جدلا ليدفعوا عن أنفسهم التعنيف بعبادة الأصنام كما قالوا : ﴿ لو شاء الرحمن ما عبدناهم ﴾ ( الزخرف : 20 ) ، أي جدلا للنبيء صلى الله عليه وسلم بموجب ما يقوله من أن كل كائن بقدر الله جهلا منهم بمعاني القدر .
قال عياض في ( الإكمال ) ( ظاهره أن المراد بالقدر هنا مراد الله ومشيئته وما سيق به قدره من ذلك ، وهو دليل مساق القصة التي نزلت بسببها الآية ) اه . وقال الباجي في ( المنتقى ) : ( يحتمل من جهة اللغة معاني :
أحدها : أن يكون القدر ههنا بمعنى مقدر لا يزاد عليه ولا ينقص كما قال تعالى : ﴿ قد جعل الله لكل شيء قدرا ﴾ ( الطلاق : 3 ) .
والثاني : أن المراد أنه بقدرته ، كما قال : ﴿ بل قادرين على أن نسوي بنانه ﴾ ( القيامة : 4 ) .
والثالث : بقدر ، أي نخلقه في وقته ، أي نقدر له وقتا نخلقه فيه ) اه .
قلت : وإذ كان لفظ ( قدر ) جنسا ، ووقع معلقا بفعل متعلق بضمير ﴿ كل شيء ﴾ الدال على العموم كان ذلك اللفظ عاما للمعاني كلها فكل ما خلقه الله فخلقه بقدر ، وسبب النزول لا يخصص العموم ، ولا يناكد موقع هذا التذييل على أن السلف كانوا يطلقون سبب النزول على كل ما نزلت الآية للدلالة عليه ولو كانت الآية سابقة على ما عدوه من السبب .
واعلم أن الآية صريحة في أن كل ما خلقه الله كان بضبط جاريا على حكمة ،