تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وضمير ﴿ لهم ﴾ عائد إلى المكذبين منهم بقرينة إسناد التكذيب كما تقدم . واسم الفاعل من قوله : ﴿ مرسلوا الناقة ﴾ مستعمل في الاستقبال مجازا بقرينة قوله : ﴿ فارتقبهم واصطبر ﴾ ، فعدل عن أن يقال : سنرسل ، إلى صيغة اسم الفاعل الحقيقة في الحال لتقريب زمن الاستقبال من زمن الحال .

والارتقاب : الانتظار ، ارتقب مثل : رقب ، وهو أبلغ دلالة من رقب ، لزيادة المبنى فيه .

وعدي الارتقاب إلى ضميرهم على تقدير مضاف يقتضيه الكلام لأنه لا يرتقب ذواتهم وإنما يرتقب أحوالا تحصل لهم . وهذه طريقة إسناد أو تعليقق المشتقات التي معانيها لا تسند إلى الذوات فتكون على تقدير مضاف اختصارا في الكلام اعتمادا على ظهور المعنى . وذلك مثل إضافة التحريم والتحليل إلى الذوات في قوله تعالى : ﴿ حرمت عليكم الميتة ﴾ ( المائدة : 3 ) . والمعنى : فارتقب ما يحصل لهم من الفتنة عند ظهور الناقة .

والاصطبار : الصبر القوي ، وهو كالارتقاب أيضا أقوى دلالة من الصبر ، أي اصبر صبرا لا يعتريه ملل ولا ضجر ، أي اصبر على تكذيبهم ولا تأيس من النصر عليهم ، وحذف متعلق ﴿ اصطبر ﴾ ليعم كل حال تستدعي الضجر . والتقدير : واصطبر على أذاهم وعلى ما تجده في نفسك من انتظار النصر .

وجملة ﴿ ونبئهم أن الماء قسمة بينهم ﴾ معطوفة على جملة ﴿ إنا مرسلوا الناقة ﴾ باعتبار أن الوعد بخلق آية الناقة يقتضي كلاما محذوفا ، تقديره : فأرسلنا لهم الناقة وقلنا نبئهم أن الماء قسمة بينهم على طريقة العطف والحذف في قوله : ﴿ فأوحينا إلى موسى أن أضرب بعصاك البحر فانفلق ﴾ ( الشعراء : 63 ) ، وإن كان حرف العطف مختلفا ، ومثل هذا الحذف كثير في إيجاز القرآن .

والتعريف في ﴿ الماء ﴾ للعهد ، أي ماء القرية الذي يستقون منه ، فإن لكل محلة ينزلها قوم ماء لسقياهم وقال تعالى : ﴿ ولما ورد ماء مدين ﴾ ( القصص : 23 ) .

وأخبر عن الماء بأنه ﴿ قسمة ﴾ . والمراد مقسوم فهو من الإخبار بالمصدر للتأكيد والمبالغة .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢٧ · الصفحة ٢٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢٧ · ص ٢٠٠