فبين إبطال قولهم بطريق فحوى الخطاب وهو أن الملائكة الذين لهم شرف المنزلة لأن الملائكة من سكان السماوات ( فهم لا يستطيعون إنكار أنهم أشرف من الأصنام ) لا يملكون الشفاعة إلا إذا أذن الله أن يشفع إذا شاء أن يقبل الشفاعة في المشفوع له ، فكيف يكون للمشركين ما تمنوا من شفاعة الأصنام للمشركين الذين يقولون ﴿ هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ وهي حجارة في الأرض وليست ملائكة في السماوات ، فثبت أن لا شفاعة إلا لمن شاء الله ، وقد نفي الله شفاعة الأصنام فبطل اعتقاد المشركين أنهم شفعاؤهم ، فهذه مناسبة عطف هذه الجملة على جملة ﴿ أم للإنسان ما تمنى ﴾ ( النجم : 24 ) . وليس هذا الانتقال اقتضابا لبيان عظم أمر الشفاعة .
و ﴿ كم ﴾ اسم يدل على كثرة العدد وهو مبتدأ والخبر ﴿ لا تغني شفاعتهم ﴾ .
وقد تقدم الكلام على ﴿ كم ﴾ في قوله تعالى : { سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة في سورة البقرة ، وقوله : وكم من قرية أهلكناها في الأعراف .
وفي السموات } صفة ل ﴿ ملك ﴾ . والمقصود منها بيان شرفهم بشرف العالم الذي هم أهله ، وهو عالم الفضائل ومنازل الأسرار .
وجملة ﴿ لا تغني شفاعتهم ﴾ الخ ، خبر عن ﴿ كم ﴾ ، أي لا تغني شفاعة أحدهم فهو عام لوقوع الفعل في سياق النفي ، ولإضافة شفاعة إلى ضميرهم ، أي جميع الملائكة على كثرتهم وعلو مقدارهم لا تغني شفاعة واحد منهم .
و ﴿ شيئا ﴾ مفعول مطلق للتعميم ، أي شيئا من الإغناء لزيادة التنصيص على عموم نفي إغناء شفاعتهم .
ولما كان ظاهر قوله : ﴿ لا تغني شفاعتهم ﴾ يوهم أنهم قد يشفعون فلا تقبل شفاعتهم ، وليس ذلك مرادا لأن المراد أنهم لا يجرأون على الشفاعة عند الله فلذلك عقب بالاستثناء بقوله : ﴿ إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ﴾ ، وذلك ما اقتضاه قوله : ﴿ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ﴾ ( الأنبياء : 28 ) وقوله : ﴿ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ﴾ ( البقرة : 225 ) أي إلا من بعد أن يأذن الله لأحدهم في الشفاعة ويرضى بقبولها في المشفوع له .