وفعل ﴿ دمر ﴾ متعد إلى المدمر بنفسه ، يقال : دمرهم الله ، وإنما عدي في الآية بحرف الاستعلاء للمبالغة في قوة التدمير ، فحذف مفعول ﴿ دمر ﴾ لقصد العموم ، ثم جعل التدمير واقعا عليهم فأفاد معنى ﴿ دمر ﴾ كل ما يختص بهم ، وهو المفعول المحذوف ، وأن التدمير واقع عليهم فهم من مشموله .
وجملة ﴿ وللكافرين أمثالها ﴾ اعتراض بين جملة ﴿ أفلم يسيروا في الأرض ﴾ وبين جملة ﴿ ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا ﴾ ( محمد : 11 ) . والمراد بالكافرين : كفار مكة . والمعنى : ولكفاركم أمثال عاقبة الذين من قبلهم من الدمار وهذا تصريح بما وقع به التعريض للتأكيد بالتعميم ثم الخصوص .
وأمثال : جمع مثل بكسر الميم وسكون الثاء ، وجمع الأمثال لأن الله استأصل الكافرين مرات حتى استقر الإسلام فاستأصل صناديدهم يوم بدر بالسيف ، ويوم حنين بالسيف أيضا ، وسلط عليهم الريح يوم الخندق فهزمهم وسلط عليهم الرعب والمذلة يوم فتح مكة ، وكل ذلك مماثل لما سلطه على الأمم في الغاية منه وهو نصر الرسول صلى الله عليه وسلم ودينه ، وقد جعل الله ما نصر به رسوله صلى الله عليه وسلم أعلى قيمة بكونه بيده وأيدي المؤمنين مباشرة بسيوفهم وذلك أنكى للعدو . وضمير ﴿ أمثالها ﴾ عائد إلى ﴿ عاقبة الذين من قبلهم ﴾ باعتبار أنها حالة سوء .
أعيد اسم الإشارة للوجه الذي تقدم في قوله : ﴿ ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل ﴾ ( محمد : 3 ) وقوله : ﴿ ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ﴾ ( محمد : 4 ) .
واسم الإشارة منصرف إلى مضمون قوله : ﴿ وللكافرين أمثالها ﴾ ( محمد : 10 ) بتأويل : ذلك المذكور ، لأنه يتضمن وعيدا للمشركين بالتدمير ، وفي تدميرهم انتصار للمؤمنين على ما لقوا منهم من الأضرار ، فأفيد أن ما توعدهم الله به مسبب على أن الله نصير الذين آمنوا وهو المقصود من التعليل وما بعده تتميم .