الرقاب } ، أي أمرتم بضرب رقابهم ، والحال أن الله لو شاء لاستأصلهم ولم يكلفكم بقتالهم ، ولكن الله ناط المسببات بأسبابها المعتادة وهي أن يبلو بعضكم ببعض .
وتعدية ( انتصر ) بحرف ( من ) مع أن حقه أن يعدى بحرف ( على ) لتضمينه معنى : انتقم .
والاستدراك راجع إلى ما في معنى المشيئة من احتمال أن يكون الله ترك الانتقام منهم لسبب غير ما بعد الاستدراك .
والبلو حقيقته : الاختبار والتجربة ، وهو هنا مجاز في لازمه وهو ظهور ما أراده الله من رفع درجات المؤمنين ووقع بأسهم في قلوب أعدائهم ومن إهانة الكفار ، وهو أن شأنهم بمرأى ومسمع من الناس .
هذا من مظاهر بلوى بعضهم ببعض وهو مقابل ما في قوله : ﴿ فضرب الرقاب ﴾ إلى قوله : ﴿ وإما فداء ﴾ ، فإن ذلك من مظاهر إهانة الذين كفروا فذكر هنا ما هو من رفعة الذين قاتلوا في سبيل الله من المؤمنين بعناية الله بهم .
وجملة ﴿ والذين قاتلوا في سبيل الله ﴾ الخ عطف على جملة ﴿ فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ﴾ الآية فإنه لما أمرهم بقتال المشركين أعقب الأمر بوعد الجزاء على فعله .
وذكر ﴿ الذين قاتلوا في سبيل الله ﴾ إظهار في مقام الإضمار إذ كان مقتضى الظاهر أن يقال : فلن يضل الله أعمالكم ، وهكذا بأسلوب الخطاب ، فعدل عن مقتضى الظاهر من الإضمار إلى الإظهار ليكون في تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي إفادة تقوي الخبر ، وليكون ذريعة إلى الإتيان بالموصول للتنويه بصلته ، وللإيماء إلى وجه بناء الخبر على الصلة بأن تلك الصلة هي علة ما ورد بعدها من الخبر .