ويجوز أن تكون الفاء فصيحة . والتقدير : فإذا علمت ما كان من الأمم السابقة وعلمت كيف انتقمنا منهم وانتصرنا برسلنا فاصبر كما صبروا .
وأولوا العزم : أصحاب العزم ، أي المتصفون به . والعزم : نية محققة على عمل أو قول دون تردد . قال تعالى : ﴿ فإذا عزمت فتوكل على الله ﴾ ( آل عمران : 159 ) وقال : ﴿ ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله ﴾ ( البقرة : 235 ) . وقال سعد بن ناشب من شعراء الحماسة يعني نفسه :
إذا هم ألقى بين عينيه عزمه
ونكب عن ذكر العواقب جانبا
والعزم المحمود في الدين : العزم على ما فيه تزكية النفس وصلاح الأمة ، وقوامه الصبر على المكروه وباعث التقوى ، وقوته شدة المراقبة بأن لا يتهاون المؤمن عن محاسبته نفسه قال تعالى : ﴿ وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ﴾ ( آل عمران : 186 ) وقال : ﴿ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما ﴾ ( طه : 115 ) . وهذا قبل هبوط آدم إلى عالم التكليف ، وعلى هذا تكون ﴿ من ﴾ في قوله : ﴿ من الرسل ﴾ تبعيضية . وعن ابن عباس أنه قال : كل الرسل أولو عزم ، وعليه تكون ﴿ من ﴾ بيانية .
وهذه الآية اقتضت أن محمدا صلى الله عليه وسلم من أولي العزم لأن تشبيه الصبر الذي أمر به بصبر أولي العزم من الرسل يقتضي أنه مثلهم لأنه ممتثل أمر ربه ، فصبره مثيل لصبرهم ، ومن صبر صبرهم كان منهم لا محالة .
وأعقب أمره بالصبر بنهيه عن الاستعجال للمشركين ، أي الاستعجال لهم بالعذاب ، أي لا تطلب منا تعجيله لهم وذلك لأن الاستعجال ينافي العزم ولأن في تأخير العذاب تطويلا لمدة صبر الرسول صلى الله عليه وسلم بكسب عزمه قوة .
ومفعول ﴿ تستعجل ﴾ محذوف دل عليه المقام ، تقديره : العذاب أو الهلاك . واللام في ﴿ لهم ﴾ لام تعدية فعل الاستعجال إلى المفعول لأجله ، أي لا تستعجل لأجلهم ، والكلام على حذف مضاف إذ التقدير : لا تستعجل لهلاكهم . وجملة ﴿ كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ﴾ تعليل للنهي