واختلفوا في جزاء الجن على الإحسان فقال أبو حنيفة : ليس للجن ثواب إلا أن يجاروا من عذاب النار ثم يقال لهم كونوا ترابا مثل البهائم ، وقال مالك والشافعي وابن أبي ليلى والضحاك : كما يجازون على الإساءة يجازون على الإحسان فيدخلون الجنة . وحكى الفخر أن مناظرة جرت في هذه المسألة بين أبي حنيفة ومالك ولم أره لغيره . وهذه مسألة لا جدوى لها ولا يجب على المسلم اعتقاد شيء منها سوى أن العالم إذا مرت بها الآيات يتعين عليه فهمها .
ومعنى ﴿ فليس بمعجز في الأرض ﴾ أنه لا ينجو من عقاب الله على عدم إجابته داعيه ، فمفعول ﴿ معجز ﴾ مقدر دل عليه المضاف إليه في قوله : ﴿ داعي الله ﴾ أي فليس بمعجز الله ، وقال في سورة الجن { أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا وهو نفي لأن يكون يعجز طالبه ، أي ناجيا من قدرة الله عليه . والكلام كناية عن المؤاخذة بالعقاب .
والمقصود من قوله : في الأرض } تعميم الجهات فجرى على أسلوب استعمال الكلام العربي وإلا فإن مكان الجن غير معين . و ﴿ ليس له من دونه أولياء ﴾ ، أي لا نصير ينصره على الله ويحميه منه ، فهو نفي أن يكون له سبيل إلى النجاة بالاستعصام بمكان لا تبلغ إليه قدرة الله ، ولا بالاحتماء بمن يستطيع حمايته من عقاب الله . وذكر هذا تعريض للمشركين .
واسم الإشارة في ﴿ أولئك في ضلال مبين ﴾ للتنبيه على أن من هذه حالهم جديرون بما يرد بعد اسم الإشارة من الحكم لتسبب ما قبل اسم الإشارة فيه كما في قوله : ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ ( لقمان : 5 ) . والظرفية المستفادة من ﴿ في ضلال مبين ﴾ مجازية لإفادة قوة تلبسهم بالضلال حتى كأنهم في وعاء هو الضلال . والمبين : الواضح ، لأنه ضلال قامت الحجج والأدلة على أنه باطل .