درجات ، أي مراتب من التفاوت في الخبر بالنسبة لأهل جزاء الخير وهم المؤمنون ، ودركات في الشر لأهل الكفر . والتعبير عن تلك المراتب بالدرجات تغليب لأن الدرجة مرتبة في العلو وهو علو اعتباري إنما يناسب مراتب الخير وأما المرتبة السفلى فهي الدركة قال تعالى : ﴿ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ﴾ ( النساء : 145 ) . ووجه التغليظ التنويه بشأن أهل الخير .
و ( من ) في قوله : ﴿ مما عملوا ﴾ تبعيضية . والمراد ب ﴿ ما عملوا ﴾ جزاء ما عملوا فيقدر مضاف . والدرجات : مراتب الأعمال في الخير وضده التي يكون الجزاء على وفقها . ويجوز كون ( من ) ابتدائية ، وما عملوا نفس العمل فلا يقدر مضاف والدرجات هي مراتب الجزاء التي تكون على حسب الأعمال ، ومقادير ذلك لا يعلمها إلا الله وهي تتفاوت بالكثرة وبالسبق وبالخصوص ، فالذي قال لوالديه أف لكما وأنكر البعث ثم أسلم بعد ذلك قد يكون هو دون درجة الذي بادر بالإسلام وبر والديه وما يعقب إسلامه من العمل الصالح . وكل ذلك على حسب الدرجات .
وأشار إلى أن جزاء تلك الدرجات كلها بقدر يعلمه الله ، وقوله بعده : ﴿ ولنوفيهم أعمالهم ﴾ هو علة لمحذوف دل عليه الكلام وتقديره : قدرنا جزاءهم على مقادير درجاتهم لنوفيهم جزاء أعمالهم ، أي نجازيهم تاما وافيا لا غبن فيه . وقرأ الجمهور ﴿ ولنوفيهم ﴾ بنون العظمة . وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وهشام عن ابن عامر ويعقوب بالتحتية مرادا به العود إلى الله تعالى لأنه معلوم من المقام .
وجملة ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ احتراس منظور فيه إلى توفية أحد الفريقين وهو الفريق المستحق للعقوبة لئلا يحسب أن التوفية بالنسبة إليهم أن يكون الجزاء أشد مما تقتضيه أعمالهم .