تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والسخر ، ويقال السخرية : الاستهزاء ، وتقدم في قوله : { فيسخرون منهم في سورة براءة ، وتقدم وجه تعديته ب ( من ) .

والقوم : اسم جمع : جماعة الرجال خاصة دون النساء ، قال زهير :

وما أدري وسوف أخال أدري

أقوم آل حصن أم نساء ؟

وتنكير قوم } في الموضعين لإفادة الشياع ، لئلا يتوهم نهي قوم معينين سخروا من قوم معينين . وإنما أسند ﴿ يسخر ﴾ إلى ﴿ قوم ﴾ دون أن يقول : لا يسخر بعضكم من بعض كما قال : ﴿ ولا يغتب بعضكم بعضا ﴾ ( الحجرات : 12 ) للنهي عما كان شائعا بين العرب من سخرية القبائل بعضها من بعض فوجه النهي إلى الأقوام . ولهذا أيضا لم يقل : لا يسخر رجل من رجل ولا امرأة من امرأة . ويفهم منه النهي عن أن يسخر أحد من أحد بطريق لحن الخطاب . وهذا النهي صريح في التحريم .

وخص النساء بالذكر مع أن القوم يشملهم بطريق التغليب العرفي في الكلام ، كما يشمل لفظ ﴿ المؤمنين ﴾ المؤمنات في اصطلاح القرآن بقرينة مقام التشريع ، فإن أصله التساوي في الأحكام إلا ما اقتضى الدليل تخصيص أحد الصنفين به دفعا لتوهم تخصيص النهي بسخرية الرجال إذ كان الاستسخار متأصلا في النساء ، فلأجل دفع التوهم الناشىء من هذين السيئين على نحو ما تقدم في قوله من آية القصاص { والأنثى بالأنثى في سورة العقود .

وجملة عسى أن يكونوا خيرا منهم } مستأنفة معترضة بين الجملتين المتعاطفتين تفيد المبالغة في النهي عن السخرية بذكر حالة يكثر وجودها في المسخورية ، فتكون سخرية الساخر أفظع من الساخر ، ولأنه يثير انفعال الحياء في نفس الساخرة بينه وبين نفسه . وليست جملة ﴿ عسى أن يكونوا خيرا منهم ﴾ صفة لقوم من قومه : ﴿ من قوم ﴾ وإلا لصار النهي عن السخرية خاصا بما إذا كان المسخور به مظنة أنه خير من الساخر ، وكذلك القول في جملة ﴿ عسى أن يكن خيرا منهن ﴾ وليست صفة ل ﴿ نساء ﴾ من قوله : ﴿ من نساء ﴾ .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢٦ · الصفحة ٢٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢٦ · ص ٢٤٧