أتبع إبطال ترهاتهم الطاعنة في القرآن بهذا الكلام المفيد زيادة الإبطال لمزاعمهم بالتذكير بنظير القرآن ومثيل له من كتب الله تعالى هو مشهور عندهم وهو ( التوراة ) مع التنويه بالقرآن ومزيته والنعي عليهم إذ حرموا أنفسهم الانتفاع بها ، فعطفت هذه الآية على التي قبلها لارتباطها بها في إبطال مزاعمهم وفي أنها ناظرة إلى قوله : ﴿ وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ﴾ ( الأحقاف : 10 ) كما تقدم .
ففي قوله : ﴿ ومن قبله كتاب موسى ﴾ إبطال لإحالتهم أن يوحي الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم بأن الوحي سنة إلهاية سابقة معلومة أشهره ( كتاب موسى ) ، أي ( التوراة ) وهم قد بلغتهم نبوءته من اليهود . وضمير ﴿ من قبله ﴾ عائد إلى القرآن . وتقديم ﴿ من قبله ﴾ للاهتمام بهذا الخبر لأنه محل القصد من الجملة .
وعبر عن ( التوراة ) ب ﴿ كتاب موسى ﴾ بطريق الإضافة دون الاسم العلم وهو ( التوراة ) لما تؤذن به الإضافة إلى اسم موسى من التذكير بأنه كتاب أنزل على بشر كما أنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم تلميحا إلى مثار نتيجة قياس القرآن على ( كتاب موسى ) بالمشابهة في جميع الأحوال .
و ﴿ إماما ورحمة ﴾ حالان من ﴿ كتاب موسى ﴾ ، ويجوز كونهما حالين من ﴿ موسى ﴾ والمعنيان متلازمان .
والإمام : حقيقته الشيء الذي يجعله العامل مقياسا لعمل شيء آخر ويطلق إطلاقا شائعا على القدوة قال تعالى : ﴿ واجعلنا للمتقين إماما ﴾ ( الفرقان : 74 ) . وأصل هذا الإطلاق استعارة صارت بمنزلة الحقيقة ، واستعير الإمام لكتاب موسى لأنه يرشد إلى ما يجب عمله فهو كمن يرشد ويعظ ، وموسى إمام أيضا بمعنى القدوة .
والرحمة : اسم مصدر لصفة الراحم وهي من صفات الإنسان فهي ، رقة في النفس تبعث على سوق الخير لمن تتعدى إليه . ووصف الكتاب بها استعارة لكونه