والموعود به صادق بدخولهم مكة بالعمرة سنة سبع وهي عمرة القضية ، فإنهم دخلوا المسجد الحرام آمنين وحلق بعضهم وقصر بعض غير خائفين إذ كان بينهم وبين المشركين عهد ، وذلك أقرب دخول بعد هذا الوعد ، وصادق بدخولهم المسجد الحرام عام حجة الوداع ، وعدم الخوف فيه أظهر . وأما دخولهم مكة يوم الفتح فلم يكونوا فيه محرمين . قال مالك في ( الموطأ ) بعد أن ساق حديث قتل ابن خطل يوم الفتح ( ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ محرما والله أعلم ) .
و ﴿ محلقين رؤوسكم ﴾ حال من ضمير ﴿ آمنين ﴾ وعطف عليه ﴿ ومقصرين ﴾ والتحليق والتقصير كناية عن التمكن من إتمام الحج والعمرة وذلك من استمرار الأمن على أن هذه الحالة حكت ما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم في رؤياه ، أي يحلق من رام الحلق ويقصر من رام التقصير ، أي لا يعجلهم الخوف عن الحلق فيقتصروا على التقصير .
وجملة ﴿ لا تخافون ﴾ في موضع الحال فيجوز أن تكون مؤكدة ل ﴿ آمنين ﴾ تأكيدا بالمرادف للدلالة على أن الأمن كامل محقق ، ويجوز أن تكون حالا مؤسسة على أن ﴿ آمنين ﴾ معمول لفعل ﴿ تدخلن ﴾ وأن ﴿ لا تخافون ﴾ معمول ل ﴿ ءامنين ﴾ ، أي آمنين أمن من لا يخاف ، أي لا تخافون غدرا . وذلك إيماء إلى أنهم يكونون أشد قوة من عدوهم الذي أمنهم ، وهذا يومىء إلى حكمة تأخير دخولهم مكة إلى عام قابل حيث يزدادون قوة واستعدادا وهو أظهر في دخولهم عام حجة الوداع .
والفاء في قوله : ﴿ فعلم ما لم تعلموا ﴾ لتفريع الأخبار لا لتفريع المخبر به لأن علم الله سابق على دخولهم وعلى الرؤيا المؤذنة بدخولهم كما تقدم في قوله : ﴿ فعلم ما في قلوبهم ﴾ ( الفتح : 18 ) .
وفي إيثار فعل ﴿ جعل ﴾ في هذا التركيب دون أن يقول : فتح لكم من دون ذلك فتحا قريبا أو نحوه إفادة أن هذا الفتح أمره عجيب ما كان ليحصل مثله لولا أن الله كونه . وصيغة الماضي في ﴿ جعل ﴾ لتنزيل المستقبل المحقق منزلة الماضي ، أو لأن ﴿ جعل ﴾ بمعنى قدر . ودون هنا بمعنى غير ، ومن ( م ) ابتدائية أو