العناد والضلالة ، أعقب بإعلامهم أن الله من شأنه قبول توبة من يتوب من عباده ، وعفوه بذلك عما سلف من سيئاتهم .
وهذا الإخبار تعريض بالتحريض على مبادرة التوبة ولذلك جيء فيه بالفعل المضارع الصالح للاستقبال . وهو أيضا بشارة للمؤمنين بأنه قبل توبتهم مما كانوا فيه من الشرك والجاهلية فإن الذي من شأنه أن يقبل التوبة في المستقبل يكون قد قبل توبة التائبين من قبل ، بدلالة لحن الخطاب أو فحواه ، وأن من شأنه الاستجابة للذين آمنوا وعملوا الصالحات من عباده . وكل ذلك جري على عادة القرآن في تعقيب الترهيب بالترغيب وعكسه . وهذا كله يتضمن وعدا للمؤمنين بقبول إيمانهم وللعصاة بقبول توبتهم .
فجملة : ﴿ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ﴾ معطوفة على جملة ﴿ وإن الظالمين لهم عذاب أليم ﴾ ( الشورى : 21 ) وما اتصل بها مما تقدم ذكره وخاصة جملة : ﴿ ويمح الله الباطل ﴾ ( الشورى : 24 ) .
وابتناء الإخبار بهذه الجملة على أسلوب الجملة الاسمية لإفادتها ثبات حكمها ودوامه . ومجيء المسند اسم موصول لإفادة اتصاف الله تعالى بمضمون صلته وأنها شأن من شؤون الله تعالى عرف به ثابت له لا يتخلف لأنه المناسب لحكمته وعظمة شأنه وغناه عن خلقه . وإيثار جملة الصلة بصيغة المضارع لإفادة تجدد مضمونه وتكرره ليعلموا أن ذلك وعد لا يتخلف ولا يختلف .
وفعل ( قبل ) يتعدى ب ( من ) الابتدائية تارة كما في قوله : ﴿ وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم ﴾ ( التوبة : 54 ) وقوله : ﴿ فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ﴾ ( آل عمران : 91 ) ، فيفيد معنى الأخذ للشيء المقبول صادرا من المأخوذ منه ، ويعدى ب ﴿ عن ﴾ فيفيد معنى مجاوزة الشيء المقبول أو انفصاله عن معطيه وباذله ، وهو أشد مبالغة في معنى الفعل من تعديته بحرف ( من ) لأن فيه كناية عن احتباس الشيء المبذول عند المبذول إليه بحيث لا يرد على باذله .