وقوله : ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك ﴾ الخ تحذير للمؤمنين من مثل ذلك الاختلاف . وتنكير ﴿ كلمة ﴾ للتنويع لأن لكل فريق من المتفرقين في الدين كلمة من الله في تأجيلهم فهو على حد قوله تعالى : ﴿ وعلى أبصارهم غشاوة ﴾ ( البقرة : 7 ) . وتنكير ﴿ أجل ﴾ أيضا للتنويع لأن لكل أمة من المتفرقين أجلا مسمى ، فهي آجال متفاوتة في الطول والقصر ومختلفة بالأزمنة والأمكنة .
والمراد بالكلمة ما أراده الله من إمهالهم وتأخير مؤاخذتهم إلى أجل لهم اقتضته حكمته في نظام هذا العالم ، فربما أخرهم ثم عذبهم في الدنيا ، وربما أخرهم إلى عذاب الآخرة ، وكل ذلك يدخل في الأجل المسمى ، ولكل ذلك كلمته . فالكلمة هنا مستعارة للإرادة والتقدير . وسبقها تقدمها من قبل وقت تفرقهم وذلك سبق علم الله بها وإرادته إياها على وقف علمه وقدره ، وقد تقدم نظير هذه الكلمة في سورة هود وفي سورة طه .
.
عطف على جملة ﴿ وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ إلى قوله : ﴿ لقضي بينهم ﴾ . وهذه الجملة هي المقصود من جملة ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ﴾ إلى قوله : ﴿ ولا تتفرقوا فيه ﴾ ( الشورى : 13 ) ، لأن المقصود أهل الكتاب الموجودون في زمن نزول الآية .
وإذ قد كانت من الأمم التي أوحى الله إلى رسلهم أمتانن موجودتان في حين نزول هذه الآية وهما اليهود والنصارى ، وكانتا قد تفرقتا فيما جاءهم به العلم ، وكان الله قد أخر القضاء بين المختلفين منهم إلى أجل مسمى ، وكانوا لما بلغتهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم شكوا في انطباق الأوصاف التي وردت في الكتاب بوصف النبي الموعود به .
فالمعنى : أنه كما تفرق أسلافهم في الدين قبل بعثة النبي الموعود به تفرق خلفهم مثلهم وزادوا تفرقا في تطبيق صفات النبي الموعود به تفرقا ناشئا عن التردد