تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لحجتهم لا في نفس الأمر ولا فيما أرادوه ، على فرض وقوع البعث من أن يكونوا آمنين من أهوال البعث ، وأنهم لا يرجى لهم اهتداء لأن الله خلقهم غير قابلين للهدى فلا يستطيع غيره هداهم .

و ﴿ إلاهه ﴾ يجوز أن يكون أطلق على ما يلازم طاعته حتى كأنه معبود فيكون هذا الإطلاق بطريقة التشبيه البليغ ، أي اتخذ هواه كإلاه له لا يخالف له أمرا . ويجوز أن يبقى ﴿ إلاهه ﴾ على الحقيقة ويكون ﴿ هواه ﴾ بمعنى مهويه ، أي عبد إلاها لأنه يحب أن يعبده ، يعني الذين اتخذوا الأصنام آلهة لا يقلعون عن عبادتها لأنهم أحبوها ، أي ألفوها وتعلقت قلوبهم بعبادتها ، كقوله تعالى : ﴿ وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم ﴾ ( البقرة : 93 ) .

ومعنى ﴿ أضله الله ﴾ أنه حفهم بأسباب الضلالة من عقول مكابرة ونفوس ضعيفة ، اعتادت اتباع ما تشتهيه لا تستطيع حمل المصابرة والرضى بما فيه كراهية لها . فصارت أسماعهم كالمختوم عليها في عدم الانتفاع بالمواعظ والبراهين ، وقلوبهم كالمختوم عليها في عدم نفوذ النصائح ودلائل الأدلة إليها ، وأبصارهم كالمغطاة بغشاوات فلا تنتفع بمشاهدة المصنوعات الإلاهية الدالة على انفراد الله بالإلاهية وعلى أن بعد هذا العالم بعثا وجزاء .

ومعنى ﴿ على علم ﴾ أنهم أحاطت بهم أسباب الضلالة مع أنهم أهل علم ، أي عقول سليمة أو مع أنهم بلغهم العلم بما يهديهم وذلك بالقرآن ودعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام .

فحرف ﴿ على ﴾ هنا معناه المصاحبة بمعنى ( مع ) وأصل هذا المعنى استعارة معنى الاستعلاء للاستعلاء المجازي وهو التمكن بين الوصف والموصوف . وشاع ذلك حتى صار معنى من معاني ( على ) كما في قول الحارث بن حلزة :

فيقينا على الشناءة تنمينا

حصون وعزة قعساء

والمعنى : أنه ضال مع ما له من صفة العلم ، فالعلم هنا من وصف من اتخذ إلاهه هواه وهو متمكن من العلم لو خلع عن نفسه المكابرة والميل إلى الهوى .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢٥ · الصفحة ٣٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢٥ · ص ٣٥٨